18 حزيران يونيو 2015 / 12:12 / بعد عامين

مجموعة محمود صبح .. سجل لتطور أنماط الشعر العربي

بيروت (رويترز) - في مجموعة الشاعر الفلسطيني المقيم في اسبانيا محمود صبح (ديوان قبل.. أثناء.. وبعد) قد لا يكتفي القارىء بالانتباه إلى القيمة الفنية للقصائد مهما كان مستواها بل يجد نفسه أمام أمر آخر يشكل قيمة تأريخية فنية وهو اعتبار المجموعة سجلا يعكس التطورات التي مر بها الشعر العربي في هذا العصر من حيث تعدد أنماطه التعبيرية.

ففي المجموعة قصائد تنتهج نمط القصيدة العمودية التقليدية ومع مرور الوقت نعود فنقرأ قصائد انتقل الشاعر فيها إلى النمط المسمى قصيدة التفعيلة أو تعدد الأوزان والقوافي في القصيدة الواحدة.

ولأن المجموعة تبدو سجلا لتطور أنماط القصيدة العربية في العصر الحاضر نجد أن الشاعر في بعض نتاجه انتقل إلى ما يسمى الآن قصيدة النثر الحديثة.

جاءت المجموعة في 234 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن (المؤسسة العربية للدراسات والنشر) في بيروت وعمان.

محمود صبح ولد في صفد في فلسطين سنة 1936 وعاش مدة ودرس في سوريا وعمل بالتدريس هناك وفي الجزائر. وقد فاز بعدة جوائز على قصائد معينة.

انتقل إلى اسبانيا حيث درس بمنحة. وبعد أن حصل على درجة الدكتوراه عين أستاذا بقسم اللغة العربية بجامعة مدريد ثم رئيسا لقسم اللغة العربية والأدب والفنون الجميلة في المعهد العربي الاسباني للثقافة.

الدفة الأخيرة للكتاب تعطي فكرة عن مفهوم الدكتور صبح للشعر والفن. قال إن مضمون ”المذهب الحيوي في الشعر يقتضي أن يتمثل الشاعر التيارات الإيجابية البناءة في مسيرة الزمان في المكان وأن يدفع هذه الحركة في الصيرورة ويرهص لما هو آت ويعبر عن طاقات الطبيعة والإنسانية المسيرة لها في تفاعل جدلي متواصل.“

في البدايات اعتمد الشاعر في قصيدة (الدوامة) نظام الرباعيات والقصيدة التقليدية العربية فتتغير القافية كل أربعة أبيات ويبقى الوزن ثابتا. يقول ”دوامة عربيدة هوجاء عاصفة بنفسي / حتام أنت تظل تبحث في الدجى عن نور شمس / وإلام أنت تظل تجتر الجراح قتيل يأس / هيا أفق يا أيها الغافي على آلام أمس.“

وفي الرباعية الثانية يقول بقدر بارز من الخطابية والتقريرية “هيا أفق ومر الخيال يسير في الليل الرهيب / ليجوز آفاق السماء إلى ذرى الوطن الحبيب / ويروح ينظر أرضه وقد ارتمت بيد الغريب / ولهى تنادي أهلها والأهل في خبر الغيبوب.

”قد رحت بالشوق المجنح أجتلي أرضي البديعة / فرأيتها شعثاء تندب في جلابيب وضيعة / والليل يسكب في كؤوس الزهر من ألم دموعه.“

في انتقال إلى قصيدة أخرى هي (نشيد العروبة) نقرأ شعرا عموديا تقليديا بوحدة وزن ووحدة قافية وبتقريرية أيضا. يقول ”رتل نشيد عروبتي ترتيلا تسمع به القرآن والإنجيلا / رتله تسمع نهر دجلة هادرا /وخليجنا ومحيطنا والنيلا / وتجبك أنغام من الأرز الذي / وضع النجوم لرأسه إكليلا.“

وفي قصيدة نظمها بعد تسع سنوات أي عام 1968 نلاحظ انتقالا إلى ما كان يمكن تسميته نمط العصر في تلك المرحلة فنجد الشاعر يهجر النمط العمودي إلى تعدد في الأوزان والقوافي.

في قصيدة (سيأتي الخريف) يقول محمود صبح وبقدر من الشعرية والإيحاء الفني أكبر مما شهدناه في الأمثلة السابقة ”سيأتي الخريف / فينهد سور ويهوي جدار / وتفتح للريح دار فدار / سيأتي الخريف فإني أحس دماه / بأعراق صحرائنا الطاهرة / تسير وإني أراه / بأعين أطفالنا الساهرة / مع الحقد ينمو يشب لهب / ويزرعها ثورة وغضب.“

وبعد بضع سنوات نجده في مزيج من النمطين الحديثين أي التفعيلة وقصيدة النثر في قصيدة (لا صدى للصوت). يقول بسمة رمزية واضحة أحيانا ”ههنا الأشياء لا معنى لها / ههنا الأبعاد راحت تتساوى / ههنا الأنهار لا تجري فلا ماء ولا نبع لها / لا منتهى / كل شيء جف حتى نفسي /حتى جذوري / وكياني يتهاوى.“

في قصيدة (قوس قزح) يتذكر الغريب بلاده وهو في اسبانيا فيقول بحزن وموسيقى وبتعدد أوزان وقواف ”كونكا / لحبي لفلسطين أحببت كل العيون / لمرج ابن عامر / أكرمت مرج عيون / فما من أحد / ولا شيء يهجر / إن التراب يهاجر / فكل تراب حزين / وكل مكان صفد.“

في قصيدة (سورة الوادي الكبير) يكتب قصيدة نثر فيقول ”ارو لي أيها الوادي الكبير / نتفا ورذاذا عن تاريخ حياتك التليدة /المنبعثة اليوم حية في سيمائك / بهذه السطور ذات المداد الفضي / على صفحاتك الزرقاء / نبني أيها النهر العظيم / أين هي تلك الرايات المجيدة / التي كانت تخفق في سمائك.“

وفي قصيدة (مثل شبح في موندراغون) يختصر أمورا عديدة شكلا ومحتوى ويكتب شعرا حديثا من نمط قصيدة النثر. يقول ”كان يمضي وحده في الليل / كان يحمل في جوفه أمواج نبيذ أحمر قان / وأجنحة الريح ترفرف في عينيه / كانت خطاه سريعة إذ كانت تأخذه من ركن إلى أركن/من حانة إلى خمارة من ليلة إلى أخرى / حين يبقى وحيدا في السحر .. إلى عمله كان دوما يصل متأخرا / محمولا بأذرع أصدقائه الكثيرين / محملا بالعطش والتعب / وهو الآن / شبح الليل / في ثرى وطنه فلسطين.“

إعداد جورج جحا للنشرة العربية - تحرير أمل أبو السعود

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below