3 أيار مايو 2008 / 14:20 / منذ 10 أعوام

ناصر اليوسف.. نقل العادي لتكوين صورة عن الواقع

بيروت (رويترز) - يرسم الكاتب السعودي عبد الرحمن ناصر اليوسف في روايته (طريق القصيم) ما يبدو واقعا مغلقا من ناحية لكنه يبدي من ناحية اخرى دلائل على تحولات متباينة السرعة في مجالات عدة.

الا ان النواحي الشديدة السرعة لا تظهر عادة بوضوح حتى الآن في انماط التصرف العلني في بلد شخصيات الرواية بل تقتصر على اجواء مغلقة او سرية.. ولا تبدو في كامل ”تحررها“ الا خارج البلاد.

ومن هنا قد يستنتج القاريء ان المجتمعات المغلقة تشجع من حيث لا تقصد على ممارسة ما يجري حظره بقسوة وفي ”باطنية“ تسعى الى تجنب الوقوع في قبضة ممثلي السلطة.

وهنا يلجأ الانسان الى أنماط ”محافظة“ تبدو نوعا من ”التقية“ الا ان هذه المحافظة قد تسقط او تتحول الى ما لا يشبهها اذا اتيح للمرء السفر الى خارج بلده بما يتيح له حرية التصرف والممارسة في عدة مجالات.

لقد سمي عمل الكاتب السعودي ”رواية“ لكنه ربما بدا دراسة اجتماعية كتبت بشكل قصصي.

يكتب عبد الرحمن ناصر اليوسف بكلام ”عادي“ ناقلا العادي من انماط التصرف والتفكير ويبدو احيانا كأنه ينقل الى القارىء سلسلة صور من عالم مدينة سعودية وناس من عائلات سعودية دون تدخل كبير من ناحية رسم حياتها.

الا انه ينقل كذلك الى القارىء مشاهد مختلفة ويتركه يصل معها الى نتائج شديدة الوضوح لكننا مع وضوحها نجده يتدخل معلقا شارحا من خلال شخصياته.

وفي الرواية اشخاص ”حقيقيون“ من الواقع بينهم فنانون ومغنون وفيها اشارات الى شخصيات دينية واقعية ومدح واعجاب بكثير من هؤلاء واولئك.

وعلى رغم سخرية تطل بين فينة واخرى فان الكاتب يبدو في غالب ما يكتبه مدافعا عن بلده وقوانينه ومعتقداته مؤمنا بتطور لا يخرج على التقاليد.

الكتاب الذي جاء في 87 صفحة متوسطة القطع صدر عن دار (رياض الريس للكتب والنشر) في بيروت.

والواقع ان الكتاب هو كذلك اقرب الى نقل صور متعددة عن حياة عائلات سعودية واشخاص سعوديين منه الى رواية محكمة النسج تضرب في اعماق النفس البشرية او العقل البشري وهي كذلك تشبه من بعض النواحي مجموعة تقارير صحافية مكتوبة بشكل قصصي غالبا عن حياة هؤلاء الاشخاص وتلك العائلات وأهمها عائلتان اثنتان.

اما ”واقعية“ الرواية فتطل علينا أول ما تطل في ايضاح قال ” فيما عدا (جاني الاسمر جاني) فان جميع ما بهذا الكتاب من أبيات شعرية من مشاعر واحاسيس خالد عبد الرحمن (مخاوي الليل.“)

تستهل الرواية بصورة من صور جو المدينة المحدودة الأفاق من الناحية الاجتماعية كما يبدو. تبدأ بنداء ”يصدره خالد“ اذ يصيح ”صديق.. صديق .. جيب جمر بسرعة.“

وينطلق الكاتب في رسم الجو والاحداث المحدودة المتتابعة ولانها محدودة فنحن نجد الكاتب يرسمها بدقة. يقول ”تردد صوت خالد بين جنبات ذلك المقهى الشعبي القابع على طريق القصيم السريع الذي ينطلق كالسهم من شمال مدينة الرياض وذلك بعد ان تضاءل حجم الدخان المنبعث من فمه وانفه نتيجة لهلاك قطع الفحم الثلاث.“

ويصف لنا بدقة خادم المقهى وتفاصيل عمله في الاهتمام بجمرات الشيشة ننتقل من هنا أي من المشهد الذي يوحي بمحدودية في الخيارات الاجتماعية الى مشهد اخر.

طائرة سعودية قادمة في رحلة لها من بيروت نداء من قائد الطائرة عن الاستعداد للهبوط في مطار الملك خالد الدولي في الرياض.

الطائرة ممتلئة “عن اخرها بأفواج من المواطنين السعوديين الذين كانوا قد سافروا الى لبنان.” ليتفرج بعضهم على بعض في مطاعم ومقاهي بيروت ولتكون مقاهي ساحة السوليدير قلب بيروت النابض مسرحا لاستعراض الساعات والحقائب والاحذية وغيرها من ملابس ومجوهرات من الماركات الشهيرة بالذات من جانب اولئك النساء اللواتي قضين بداية الاجازة في اوروبا ثم ختمنها ببيروت قبل عودتهن الى الوطن ليفاخرن الاخريات بما اقتنين وبما يلبسن وما يركبن.“

اضاف انه كان من بين ما يعرض في ”وسط البلد“ الذي سماه باسم ” سوليدير“ وهي الشركة التي أعادت بناء هذا الوسط وتملكته ”عدد كبير من فتيات الخليج العربي ممن هن في سن الزواج وكن يتنافسن في السفور والتبرج والتزين بكل ما نهى الله عنه ثم تدعو الواحدة منهن الله نفسه ان تنال اعجاب أحد الاكابر أو أحد أبناء الأسر الثرية ليختارها زوجة له.“

كان من بين ركاب الطائرة أكوام من الشباب الذين ذهبوا الى بيروت اما للالتقاء بصاحباتهم (خوياتهم) من بنات وطنهم او (للترقيم) والتعرف الى مزيد من الفتيات.

هذا ولم يذهب احد ممن كانوا على متن الطائرة للسياحة. وما ان انتهى نداء قائد الطائرة ”حتى وجدت العنود بنت سعد الرياضي وامها أم تركي خادمتهما الافريقية... مقبلة عليهما بحقيبة صغيرة كانتا قد وضعتا عباءتيهما فيها عندما اقلعت الطائرة التي كانت تقلهما الى باريس...التقطت العنود عباءتها وهي تقول بضيق (اف .. رجعنا للعباءات والقرف“) ثم اردفت تقول ”صار لنا ثلاث شهور مفكتين من ذا الغثا.“

اما والدتها فردت تقول بالعامية السعودية ايضا ”عاد وش نسوي في ذا الديرة حاطين العباية من الدين والا الدين في القلب ما هوب بعباية والا غطاء.“

وننتقل الى مشهد اخر خالد يلتقي صديقه فهد في المقهى ثم يدور بينهما حديث عن وضع كل منهما بعد الدراسة وعمله ودخله. ويصل الحوار بينهما الى نتائج اضحت احكاما شبه ”عادية“ في هذه الايام مثل قول فهد ”يا رجال ذا الوقت كل من بغى يصير شاعر صار شاعر ومن بغى يصير فنان صار فنان ومن بغى يصير كاتب واديب صار كاتب واديب هذا زمن المادة والاعلام بالفلوس تسوّي كل شي وتصير في وضع تتمناه والاعلام ممكن تمتلكه بعد فلوسك او بالعلاقات والمصالح...“

ويصل الحديث الى مجال اخر يقول خالد بضيق ”ليه يا خي القراءة والاطلاع ثقافة ومتعة“ فيرد فهد مبتسما ”يا رجال انا حدي الجرائد وصفحات الرياضة بعد.“ فيعلق خالد مندهشا ”بس ما شاء الله عندك معرفن ومعلومات.“

ويشرح فهد الامر فيقول ”انا بصراحة اهوى الانترنت واتابع بعض المواقع الهادفة والجادة واللي يشرف عليها مشايخ معروفين ومرموقين ولهم وزنهم في العالم الاسلامي... وبعض المنتديات الراقية وغير كذا الحين فيه قنوات فضائية مفيدة منها السياسية والثقافية والعلمية والدينية اتوقع انها تسد حاجة الشخص للاطلاع والمعرفة...“

ويدور احيانا حوار يحمل قصدا او بدون قصد قدرا كبيرا من التبسيط الذي يشبه السذاجة ومن الامثلة الحديث عن العلمانية والليبرالية والدين وغير ذلك.

اما العائلتان الرئيسيتان فعلى رأسيهما شقيقان عائلة خالد على رأسها أب هو موظف طيب محترم اما الاخرى فعلى رأسها ابو تركي الشقيق الثري والد العنود وهو هنا على طيبته يشبه في ازدواجية حياته ” السيد احمد عبد الجواد“ في ثلاثية نجيب محفوظ.. في السر حياة سكر وعلاقات جنسية في منزله في بانكوك التي يأتيها بحجة داعي العمل وحياة اخرى مختلفة تماما في الرياض.

في النهاية تسير حياة كل اشخاص الرواية في شكل تقليدي كما يتوقع في مجتمع هذه الشخصيات. الزواج بقرار عائلي مع هامش ضيق من الحرية اكتسب نتيجة الثقافة التي ادت الى شيء من الانفتاح في عقل الأهل. حالات زواج وطلاق في عودة احيانا كثيرة الى تقاليد قديمة لم تزل قوية.

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below