14 شباط فبراير 2008 / 03:17 / بعد 10 أعوام

خالد زيادة: الخسيس والنفيس في المدينة الاسلامية

بيروت (رويترز) - كتاب خالد زيادة بعنوانه الطريف يشكل قراءة ممتعة تتسم بجعل المادة التاريخية أو فلنقل ”العلمية“ تصل الى القارىء وهي اقرب الى نص ادبي يحمل في ذاته حافزا لمتابعة القراءة.

كتاب الدكتور زيادة وعنوانه ”الخسيس والنفيس..الرقابة والفساد في المدينة الاسلامية“ يشكل كما قال المؤلف مسعى الى اظهار البنى التحتية والقيمية التي كان يقوم عليها نظام ”الاحتساب“ قديما.

وقال المؤلف في حديثه عن عمله ”اردنا من هذه المحاولات في المدينة الاسلامية إن نظهر البنى المعيارية والقيمية التي يقوم عليها نصاب الاحتساب والاليات التي حكمت عمله دون ان نتطرق الى مسألة تحتاج الى مزيد من البحث تتعلق بما اذا كان الاحتساب قد اخفق في ان يكون مؤسسة كاملة الملامح.“

اما الكتاب الذي جاء في 110 صفحات متوسطة القطع فقد صدر عن دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت.

وقال المؤلف ان القاضي في المدينة والذي يعرف ايضا باسم الحاكم الشرعي اناط ” مسؤولية الرقابة في الاسواق الى المحتسب تبعا لمبدأ.. الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.“

اضاف “الا ان احدى المشكلات التي لم تعالج كفاية تتعلق بعلاقة المدينة بالدولة وبمعنى ادق تقاسم سلطة الرقابة في المدينة بين حكم الفقهاء ونفوذ الدولة او السياسة حسب ابن خلدون والمقريزي...

”ومن جهة اخرى فاذا كانت الدولة تسير وفق قوانينها فان محاولات اخضاع السلطة والامارة (السلطان والامير) لمبدأ النهي عن المنكر -اي للمحاسبة- لم تصل الى اي نتيجة فاكتفى الفقهاء بنصح السلطان والامير ووعظه معترفين بان الدولة تسير وفق قوانينها مكتفين باخضاع المدينة لحكم الشرع.“

وفي مجال اخر يستشهد الكاتب بحديث اورده الامام احمد بن حنبل في مسنده وهو ” المدينة حرام فمن أحدث فيها أو أوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين.“

كما يستشهد بكتاب محدثين وبمراجع قديمة منها كتاب ”تسهيل النظر وتعجيل الظفر في اخلاق الملك وسياسة الملك“ للماوردي ليصل الى خلاصات منها ان ”المدينة لا تقوم الا باجتماع جملة شروط وابرزها.. القاضي والجامع والسوق والنهر والحمام. وتحدث الماوردي عن ثمانية شروط.. الماء - تقدير الطرق والشوارع - الجامع للصلوات في وسط المصر - تقدير الاسواق بحسب الكفاية - تميز خطط أهله وقبائله ولا يجمع بين اضداد متنافرين - ان يسكن الملك في افسح اطرافه ويجعل وسطه لعوام أهله - السور - العلوم الصنائع.“

ومن الواضح كما يقول ”إن الرقابة كانت بايدي المحتسب حسب ما توحي به اعمال الفقهاء وخصوصا في رسائلهم الخاصة بالحسبة. فهو الذي يراقب الاسواق والمساجد والحمامات ويزور المقابر والسجون ويمنع ما يحدث من المنكرات على ضفاف الانهار الا ان امكنة اخرى تبقى بمنأى عن رقابته اختص شخص اخر بشؤونها وهو “صاحب الشرطة” الذي يعرف ايضا باسم “ صاحب العسس” وعرف في الاندلس والمغرب باسم “الحاكم” وعرف في مصر المملوكية باسم “الوالي”.“

ويستخلص زيادة من المواد الكثيرة التي استند اليها اننا ”نستطيع ان نضع حدا بين سلطتين تتنازعان المدينة.. سلطة الشرع ممثلة بالقاضي والمحتسب من جهة وسلطة السياسة حسب تعبير ابن خلدون ممثلة بالحاكم وصاحب الشرطة.“

وتحت عنوان ”المدينة الاسلامية - الخسيس والنفيس“ قال الدكتور زيادة ”انقسام سكان المدينة الاسلامية الى اغنياء وفقراء كان امرا قائما تعكسه الادبيات المرتبطة بالمدن الاسلامية. ويمكننا ان نعزل هذا الانقسام عن كل تمييز عرقي او ديني. فلا العنصر او العرق كان مدخلا الى الغنى ولا الدين كان مدخلا الى الفقر. ولاشك في ان اشكالية الفقر والغنى ترتبط بشكل اساسي بمستويات الدخل الفردي ونوع المعاش. الا ان التفاوت في المداخيل واختلاف المعاش لا يكفيان للاحاطة بذلك التمييز الذي يقسم سكان المدينة الاسلامية الى فئات دنيا.“

وزاد على ذلك قوله اننا من جهة اخرى “يمكننا ان نلاحظ ان الغنى ليس الشرط الملازم للارتقاء الى مستوى الفئات العليا. لا شك بان التجار كانوا من الفئات المنظورة والمعتبرة والتي يرتبط وضعها بالغنى وتكديس الثروة.

”الا انه يجب ان نترك حيزا واسعا لنوعين من الفئات.. تلك المرتبطة بالسلطة والحاكم والاخرى المرتبطة بالوظائف وتضم فئات دنيا وضيعة محتقرة دون ان يكون الاحتقار اللاحق بها ناتجا عن فقر بالضرورة.“

وفي خلاصة البحث يقول زياد ان بحثه هو محاولة في مقاربة مسألة الفساد والاصلاح ”في التجربة التاريخية الاسلامية - العربية“.

وقد ابتكر الفقهاء وظيفة الاحتساب اي الرقابة على الاسواق وسعوا الى توسيع الرقابة عن طريق اعطاء المحتسب صلاحيات واسعة لمنع كل فساد بما في ذلك مجالس القضاة.

اضاف “لكن وظيفة الاحتساب لم تتحول الى مؤسسة رقابة الا حين تعلق الامر بالكسبة والصناع والحرفيين والنساء والذميين. فمراقبة مجالس القضاة اكتفت بالشكل دون التفتيش على احكام القضاة ومدى مطابقتها لشروط العدل ولم يستطع الفقهاء ان ينشئوا نظاما للعقوبات فتركوا تقدير ذلك الى المحتسب نفسه الذي كان يطلب منه تأنيب المرتكب او زجره. وحال الفقهاء دون جعل الاحتساب مؤسسة حصرية للرقابة حين اطلقوا مبدأ الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلوا من كل مسلم محتسبا ورجحوا الجوانب الاخلاقية والمبدئية على حساب انشاء نظام متكامل للرقابة...

”واذا كان النظام المعرفي الفقهي قد حافظ على تقاليده واستقلاله فان جهاز الفقهاء لم يتحول الى مؤسسة مستقلة. وكان تعيين القضاة بيد السلطان وطالما تعرض هؤلاء القضاة الى ضغوط السلطة الحاكمة من اجل تسويغ الضرائب وارتكابات لا تتفق مع القواعد الفقهية.“

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below