25 كانون الأول ديسمبر 2007 / 12:24 / بعد 10 أعوام

حسين درويش.. بين الاعجاب والتساؤل..صور ومشاهد ذات ابعاد

بيروت (رويترز) - في مجموعة الشاعر السوري حسين درويش التي حملت عنوان ”شامة ليل“ ما يثير اعجابا من جهة وتساؤلا من جهة اخرى.

الاعجاب ينتج عن ”مشاهد“ وصور موحية مؤثرة في غالبها تتنقل بين الرمزي والواقعي من جهة بدفء حينا وببرودة فكرية حينا اخر. اما التساؤل فهو ينبع من كون كثير مما تلامسه هذه الصور والمشاهد يصل الى ابعد من الموضوع الاساسي الذي انطلقت منه وكأنه احيانا يعيش في حالة استقلالية تكاد تقطع صلته بالموضوع الاساسي. والموضوع الاساسي يكاد يختصر في عدة حالات بشامة على خد محبوبة او بغسيل منشور على سطح البيوت او بياسمين في حديقتها.

من السهل عادة ايجاد الرابط بين الحب والحبيب في صفاته الحسية المادية والمعنوية النفسية وبين الحياة عامة اي المصير والام الناس وامالهم والشقاء والسعادة وما بين كل ذلك من مشاعر وحالات.

الا اننا عند حسين درويش نجد كل ذلك يكاد يكون متتابعا في شبه حركة الية اي ان القارىء يمضي وحيدا دون ان يأخذ النص الشعري نفسه بيده ليوصله الى تلك المشاعر والحالات في نمو عضوي وتدرج. المقصود هنا ان القارىء يجد نفسه معلقا بين وصف وجه الحبيبة او منزلها مثلا وبين صور لاحقة جيدة موحية تبدو منفصلة عما سبقها على رغم ”تتابع“ في الكلمات. ومن هنا يبدو القارىء كأنه يحلل الامر منطقيا فيقول في نفسه انه لا بد من ان الحالات الثانية ترتبط بالاولى وذلك دون ان تحمله تجربة الشاعر الى هذا الاستنتاج تلقائيا.

صدرت مجموعة حسين درويش عن دار رياض الريس للكتب والنشر وجاءت في 116 صفحة متوسطة القطع حملت بين طياتها 16 قصيدة.

مجموعة درويش هي من نوع قصيدة النثر الحديثة. وعلى رغم رسم الشاعر لنفسه شخصية واضحة مميزة فاننا في مجالات متعددة نشعر بخيوط ” تتلمذ“ وتأثر بمعلم كبير راحل هو الشاعر محمد الماغوط. والكلام هنا ليس انتقادا بل هو اشارة الى سمات شبه تجاور سمات اخرى في بنية شخصية درويش الشعرية.

القصيدة الاولى “ياسمينها” على ما فيها من تصويرية ورمزية وماغوطية تذكر بأجواء شعراء لبنانيين مثل سعيد عقل والاخوين رحباني خاصة في نتاجهم باللغة المحكية. يقول درويش “ياسمينها/ ياسمينك مر بالباب/ عندما كنت اطرق حوائط البيت/ بحثاعن شال يرف خلف حديقتك/ حيث يجتمع الغرباء/ بثيابهم الضيقة/ وقبعاتهم المخرمة/ يلوحون لظلال ثيابك/ خلف النافذة./ عندما كنت غريبا واعزل/ كنت امر على ياسمينك/ كما يمر نهر قرب غيمة/ هادرا.. ولا بحر لي.

”وعندما قرأت فصلا/ من شجر الحديقة../ حديقتك السرو/ رأيت نفسي قميصا/ على اغصانها../ يدلني الياسمين الى نافذتك.“

ويختم القصيدة بهذا المزيج نفسه ويعود في نهايتها الى ربط منطقي وسببي بين حالته او حالاته النفسية والشعورية والفكرية المختلفة وامتدادتها البعيدة وبين ما كان يمكن ان يكون اي بينها وبين السبب الذي حال دون ان يكون في النهاية في كل هذه الحالات اليائسة والمطفأة.

قال ”حيث يموت الغرباء من الحب/ وتموت الغيمة من المطر/ ويموت السرو في مدفأة الليل/ كدت ان اكون../ غريبا تحت النافذة/ قطرة في غيمة عابرة/ غصنا في ظلام المدفأة/ لولاه.../ ياسمينك.“

وفي قصيدة بعنوان ”تمارين حارس وحدتها“ نقرأ الشاعر في بعض مقاطع القصيدة يبدأ بمجازات او برموز من ”عاديات“ الحياة لينتقل بها الى بعض حالاته واوضاعه النفسية والفكرية فيقول ”كل مفاتيحك التي جربتها..تثلمت/ كل ابوابك التي طرقتها...صدتني/ كل همساتك التي اسمعتني/ نسيت وقع انفاسي“ وينتقل بعد ذلك الى القول ”شبابيكك التي لوحت لي/ عيونك التي صعدت قامتي/ بحارك التي شتت جزري/ حقولك التي قلمت طفولتي/ ها انذا اراها/ من ثقب الباب تسهر قرب روحي/ ها انذا اعدها/ ليلة اثر ليلة“.

في ”التمرين الثاني“ من القصيدة يجول جولات بعيدة حلوة ليعود بعدها الى رمز من رموز حبها لم يعد الياسمين هنا بل صار ”منديلها“. يقول وان بصورية ميكانيكية نوعا ما عند الحديث عن النجوم ”سامحيني ايتها الشفاه/ لقد سقطت نجومي/ خلف ستائرك/ وتركت الحواف طيفا ينوس بين اناملك/ سامحيني يا عصافير/ تنقشت بين الخدين/ وتجمعت قرب الشطان/ شطانك التي تفيض/ نهرا يغسل قلبي/ صدأ ابوابي المثلمة.../ لقد لهثت كثيرا تحت شرفاتك/ انتظر منديلا يسقط/ على كتفي/ اغنية تدعوني/ الى شباكك“.

في ”التمرين الرابع“ تدرج لحالات تجريدية لكنه تدرج منطقي بل ميكانيكي بين حالة واخرى او بين سبب ونتيجة على رغم بداية حلوة تذكر ببعض قصيدة ”لماذا“ لنزار قباني حيث يقول ”لماذا..... منحت لقلبي الرجاء/ فلما اضاء.../ رحلت بركب المساء...“ هنا يقول درويش ” امنحي قلبي هذا الرجاء/ لينبض صحوا/ هذا النشيد ليبتل صمته/ امنحيه نعومة ليلك/ زهرة الخلود/ سطوة عينيك/ رحيق مودتك/ ستمر الليالي/ ليلة بعد قمر/ قمرا اثر رجاء/ ستمر اطيافك/ بيضاء فوق وحدتي/ بين الارائك/ اجمّلها لمجدك.“

ويختم بما بدا في السطر الاخير كأنه يسير لغويا وفق تفسير غير عادي لمقولة ”يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره.“ فيقول ”لنبالة عينيك/ حين اغمض عليهما روحي/ لتخلدان.“

في قصيدة ”ابوابها“ اجواء حلوة موحية اجمالا وغوص شبه صوفي في بعض الحالات. يقول ”في الطريق الى بيتها/ حارس الليل/ يرصد سابلة الحب/ حارس الحب/ يقرع الابواب/ الابوب المواربة/ الابواب التي ايقظها الحنين/ الدرج الغامض/ كسطر صيني/ في كتاب العرافات/ الضوء الواهن/ كشجرة سرو نسيتها الريح/ قرب النافذة.../ كلما اوغلت الطريق/ الى بيتها/ كلما حط سرب حمام/ على شباكها/حمام يقود العاشق الى فتنتها“.

يختم القصيدة بجمال ربما نقلنا الى اجواء اغنية فيروز للرحبانيين ”ما في حدا“ وفي بعض الصور الى قصيدة انجليزية هي ”المنصتون“ للشاعر وولتر دي لا مار. يختم درويش قصيدته قائلا ”حيث ليل يتاخى/ عيون ترصد الطريق/ خلف ابواب الحنين/ ابواب مواربة/ ابواب من صدى.../ ابواب من انتظار طويل.“

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below