17 آذار مارس 2008 / 04:18 / بعد 10 أعوام

عاطف سليمان : أجواء الاسطورة والحلم وتداخل الروحي والرغبات

بيروت (رويترز) - في مجموعة ”على هيأة اللوتس“ القصصية للكاتب المصري عاطف سليمان عوالم جمالية ”سحرية“ تتداخل فيها اجواء الاساطير والاحلام وقد ينجدل فيها الروحي بالرغبات المادية.

ومن جمالها ان كثيرا مما تقوله يبقى ”زئبقيا“ الى حد بعيد فهو مع ما يبدو من استحواذ الفكر والمشاعر عليه يبقى عصيا على التحول الى مادة يمكن ”أسر“ ما تحمله الى النفس في شكل الي أو تبسيطه في صور تقريرية. ولذلك فما ”يقوله“ يشبه الموسيقى أحيانا ويحمل الكثير وبألوان متعددة ومختلفة قد توهم بالتناقض في بعض الاحيان.

انه ابن التصور الشعري الذي يرتد بتعمد فني.. لا الى عالم الاساطير فحسب.. خاصة تلك التي تناولت موضوع الحياة والموت وعودة الحياة في اشكال اخرى كما في اساطير مصرية واخرى من بين النهرين وبلاد كنعان.. ولا يرتد كذلك الى الاحلام فقط. انه يعود ايضا الى احداث تاريخية او الى الوان من القصص التاريخي يأخذ منها نتفا ويزيد عليها اخرى من خياله ليبني بها جميعا عالمه الذي يتناوب على التنقل بين الواقع والمتخيل او المشتهى ودائما في جو ”ضبابي“ يثري قدرة القارىء على التخيل ويترك له مجالا واسعا لفهم ”ذاتي“ الى درجة بعيدة.

وفي اسلوب كتابة عاطف سليمان ولغته عراقة ”وارستقراطية“ اذا صح استعمال هذا المصطلح بمعنى خاص ولا يقتصر ذلك على قدرة جلية على التعبير وغوص لغوي عميق يتيح له اختيار المفردة بتميز بل يظهر في ”ملكة“ تمكنه من التقاط سريان ” تيارات“ وانغام موسيقية هادئة من نبض خفي في اللغة واستعمال ذلك في نصوصه.

اما عنوان المجموعة القصصية فهو ”على هيأة اللوتس“. واستعمال عاطف سليمان لزهرة اللوتس ليس خيارا جماليا فحسب بل هو كما يبدو بوضوح لكون هذه الزهور ومن اشهرها اللوتس المصري عريقة الحضور في اديان ومعتقدات قديمة كما انها استعملت رمزا للاحلام وللانسان الحالم.

المجموعة التي هي ثالث كتاب لعاطف سليمان بعد مجموعة قصصية ورواية صدرت عن ”دار البستاني للنشر والتوزيع“ في القاهرة جاءت في 80 صفحة متوسطة القطع. القصص السبع حملت بالاضافة الى عنوان كل واحدة منها عنوانا اضافيا او ”توضيحيا“ الى حد ما. وهذه العناوين هي ” لوتسية“ باستمرار وقد جاءت على الصور التالية (اللوتس في برعمه) و( اللوتس في قرانه) و(اللوتس في اعرافه) و(اللوتس في دورته) و(اللوتس في اسوته) و(اللوتس في سنائه) و(اللوتس في منتهاه).

درج القول في الحديث عن المسرحيات التراجيدية اليونانية ان البطل فيها ازاء قدره يواجه قوى اكبر منه وانه قد يذهب ضحية ضعف او خلل في شخصه. اما في مجموعة عاطف سليمان فهناك اقدار قد تختلف ولو اختلافا ” فنيا“ او نظريا كما قد يحلو للبعض ان يقول.

وفي ما يدل على ”لازمة“ فكرية قدرية يصعب افتقادها في المجموعة يضع سليمان مقدمة شعرية قصيرة شديدة الايحاء لمجموعته هي كلمات عمر الخيام عن ”الاصبع المتحرك“ الذي يكتب الاقدار والمصائر ولا تنفع قدرة الانسان وذكاؤه او دموعه في محو كلمة تكتب.

القصة الاولى قصة ”خد على الشباك“ التي اعطيت عنوانا فرعيا هو ( اللوتس في برعمه) توضح الاسطر الاولى فيها بعض سمات كتابة سليمان ومنها قدرته على رسم الواقعي بطريقة حية محركة وعلى ان يرسم بايحاء مؤثر تلك العلاقة الحية او التفاعل القوي بين الواقع ”الحسي“ والحالة النفسية.

نقرأ مع عاطف سليمان بداية القصة اذ يقول ”على جانب الشارع اقيمت خيمة عزاء واستوى الجالسون الى مرتل الايات فيما كانت الانسة تكنس الشارع امام البيت منحنية قليلا وثوبها العسلي القصير نوعا ملموم بين ساقيها. ما ملكت غير ذلك لتفعله حيال شقاوة ليلة فصدها مرتل متمرس في احياء الماتم مجلجلا وملقيا كل سامع في كاباته واستصراخ روحه وهمودها.“

وفي ما يبدو ”تصوفا“ غريبا عن انماط تصوف اخرى نقرأ عن ” اجيا“الفتاة التي انتحرت ونسمع بأسى جارح اسباب انتحارها. لكن حذار ان تخدعنا كلمات عاطف سليمان فنأخذها بفهم حرفي محدود المدلول. تقول ” أنا أجيا الصموت العانس لا أعرف ماذا اريد. ضاعت علي الحياة رغم حلاوة وجهي وجسدي وعذوبة لساني وتهذيبي. اني اتعشم في شيء لا اعرفه. ليست لدي ميول تنسكية لا افهم كيف افلتت مباهج الحياة من قلبي ومن شبابي. لن تعوضني الجنة ان دانت لي في اخر المطاف. انا.. انا أجيا انتحرت. سئمت بدني كيلا يتطاول على روحي الصغيرة الطيبة...“

القصة التالية (بمثابة ليلة لنهارات عدة.. اللوتس في قرانه) تكمل بعض ما بدأته الاولى وهو امر يتكرر في المجموعة كما في ”تكامل“ او ” التقاء“ الحاضر ممثلا بوداد والماضي بعبلة وعنترة. في القصة المذكورة مزيج من ”العودة“ وان في شكل او ”شخص“ اخر ”قريب“ جدا. وفيها ايضا بعض ”اوديبية“ من حيث ”قتل“ الاب.

وكما قرأنا عن ”القدوم“ نعود في مكان اخر من القصة فنقرأ ” عودة القادم من حيث اتى“. ”انقضت حقب وحقب على ذلك الموال دون ان يلحظوا الفرس التي دنت من رحابهم. انسلت الفرس وانتبه الشاب المرتكن على حافة القبر ونهض. حدقت حسيبة في الشاب الذي نهض وحدقت خالتها لكن وجههه كان قد التفت الى غير جهتهما وحين اعتلى الصهوة مضت فرسه بخببها الرتيب حتى زاغت. لم تجرؤ حسيبة او خالتها على تعقبه او مناداته بأي اسم بل ولم يسعهما سوى القعود في مكانيهما واستئناف احكامهما زمام الامر كيلا تفصحا عما جال بخاطرهما تحسبا فقد لا يكون ثمة ما يبطل حضور أجيا مرة اخرى في جلدها ذاته في ملامح الانثى التي كانتها...“

في مجال اخر نبدأ بقصة ”فتاة العائلة“ مع وداد ليكتمل الامر في القصة التي تليها وهي (تعاقب الامل .. اللوتس في منتهاه). في القصة هناك ولو بذريعة قد تتمثل في رسم تشكيلي او عمل فني اخر تدخل او ”اعادة رسم“ لاحداث تاريحية او ”شبه تاريخية“ ولشخصيات بما ينسجم مع ما يبدو انه اهم عند الكاتب من الحقيقة التاريخية اي بما ينسجم مع المشاعر والتصورات البشرية وحتى مع نواح في الفكر الانساني. كانت وداد في غرفتها سارحة في الافكار والذكريات ”وضحكت وهي تقلد بكسوف بينها وبين نفسها صرخة عبلة...“

واجتمع في رسمها الحاضر والماضي. ”فردت ورقة لترسم. ما هذا الذي ارسمه.. تعاقبت الابل وكان لون وبر الابل يضارع لون رمال الصحراء...ومن عمق لوحتها لفتتها عينان سوداوان كعينيها بالذات كانتا كأنما توأمتان لها. ما بالنا نلتقي ما بالنا نجهر باللقيا.“

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below