19 آذار مارس 2008 / 02:13 / منذ 10 أعوام

غسان زقطان.. صور المغيب والوحشة وخيط يشبه التصوف

بيروت (رويترز) - في مجموعة ”كطير من القش..يتبعني“ للشاعر الفلسطيني غسان زقطان ما يبدو وجوها متعددة لعالم واحد تطل في صور من الوحشة والوحدة والمغيب وتفيض بشعور دائم بفوات الآوان.

وفي قصائد زقطان حزن عميق عريق يلف الكائنات بل العالم كله في كثير من المساواة احيانا وفي خط من التصور الصوفي للوجود في احيان اخرى يجعل كثيرا من التنافر يبدو لنا اقرب الى صور الوحدة الشاملة.

جاءت مجموعة غسان زقطان في 122 صفحة متوسطة القطع وبلوحة غلاف للفنان السوري نذير نبعة. وقد صدرت عن ”الكوكب“ المؤسسة المتفرعة عن دار ”رياض الريس للكتب والنشر“. وقد وردت قصائده المجموعة تحت عناوين رئيسية هي ”تعلات“ و”وحدي وامامي النهر“ و”الغريب في ايقونته“ و”كرم الروميات“. واشتمل كل عنوان على عدد من القصائد.

في لغة زقطان حزن ”مهادن“ يبدو كأنه فيض لخلاصات تجارب في الحياة ولمواقف فكرية تبعث في القارىء شعورا بأن كثيرا منها يبدو كأنه يتحدث عن طريق مسدود او طرق مسيجة بالخيبات لا توصل الى اي مكان.

معظم قصائد المجموعة جاءت شعرا حديثا يخلو من القافية او يكاد ويعتمد على انواع من الوزن هي في غالبيتها ايقاعات كأنها ”تقاسيم“ على مشاعر الحزن والوحشة والنهايات. وقد تتداخل فيها الازمنة ليتشكل من مجموعها ”زمن“ واحد هو زمن الفجيعة وخيبات الامل.

في عنوان رئيسي هو ”تعلات“ وفي القصيدة الاولى منه التي حملت عنوان ”تذكر الجدة“ نقرأ الشاعر اذ يقول في تصويرية تنطلق صعدا لتجعل الرمزي يتحدث بأسى عن الواقع ”التعلات في غيبة الغائبة/ وانتظار المراكب بين الظهيرة والعصر/ حيث الشقوق العميقة للضوء/ والراضيات الاسيرات..جداتنا .. في السهول/ يمشطن نوم التلال ويهرمن في نومهن المشقق...“

وفي قصيدة ”تذكر الوحيدات“ تصوير ورموز تحمل ايحاءات تفيض بالحزن وبتذكر يسيل اسى. ومع ذلك فهو يطل بحيادية ”حقيقية“ او مدعاة ببراعة فائقة فكأنها تعرض ما مضى وقد جرت تصفيته من الندم الذي لا ينفع ولا يغير. لكن كل ذلك بقي يكتنز كثيرا من التعاطف والتحسس بالام الاخرين.

يقول زقطان “الوحيدات/ من لم يبعن مواعيدهن/ ولا يشترين الموعيد/ اشعلن نارا على التل/ اذ يكثر التائهون/ ويشتد صمت الهواء.

”الوحيدات/ يمشين في الظل/ سرب من السرو يجتاز خط التلال/ كتنهيدة الناي/ او كالصفير../ الصفير الوحيد الذي قد تراه هنا/ عاليا في المساء.../ الوحيدات/ من لا نحب/ ومن لا نواعد/ ارسلن من يشرح الامر للعابرين/ اسهبن...“

وفي القصيدة التي تلتها وحملت عنوان “تذكر التائبات” نقرأ “ والتائبات اللوتي رجعن الى البهو من غيرة في الجوار/ على وهن بعد صبح طويل وعصر يحممن اكتافهن/ ويخلطن اعذارهن القليلة بالماء../ فيما تؤدي الحديقة دورا جديدا امام المساء/ سيأخذها من تذمر عاداتها العشر عارية حيث/ تنتظر الاغنية.. ”يذهبون/ مثلما/ دائما/ يذهبون/ بعد ان يتركوا الخبز/ فوق الوسادة/ والشمع/ في/ الاغنية.“

وفي قصيدة “اغنية حارس الكرم” يتحول الموت عند الشاعر الى “ قديم” حاضر في الحاضر والى “ات” يشبه ما مضى اي يتحول الكل الى حالة او الى “حقيقة” واحدة متعددة الوجوه. يقول زقطان “يا ابنتي/ عندما تذهبين لقطف السفرجل/ لا توقظي حارس الكرم من نومه/ انه ميت منذ زمن طويل كما تعرفين/ مخدته من عظام البنات/ وفرشته من اساور زوجاته الميتات/ وفي حرجه راس زوجته الهاربة.

“حاولي ان تغني قليلا امام الشجيرات/ حتى تحبك/ كم كان عذبا غناؤك في ليلة المولد النبوي/ ../ ونحن على طرف من مكان/ فقيران نسعى/ وكان الغناء يمررنا في تعاريجه طائرين من القش

”كان الدراويش يلقون اجسادهم في الدوئر/ والماء يخرج من جبة الصخر/ والصخر من اثر الصيف/ والصيف من صنعة الشمس/ والشمس من اهلها../ هكذا تؤخذ النفس “

في قصيدة ”الذي وجدته صدفة في المراة“ اجواء غرابة من عالم الاحلام وسمات سريالية لكنها كلها روافد لنهر واحد يسير بهدوء رهيب الى نهاية واحدة.

يقول الشاعر ”الذي وجدته صدفة في المراة/ في طرفها المعتم تحديدا/ كان هناك وحيدا يفكر بك/ ويتودد الى عزلتك../ الذي لانك بحاجة الى رفقة لا اكثر/ ناديته من عتمته/ واطعمته بيديك/ كنت تناديه فيأتي/ وتشير اليه فيثب على قدميه/ وما ان تدير ظهرك حتى يحدجك بعيني ضبع/ قبل ان يعود الى زاويته في المراة/ الان تذكر ذلك كله/ لان ثمة وقتا طويلا عليك تزجيته هنا/ وانت تحدق في المراة/ من طرفها المعتم تحديدا/ فيما هو جالس في مقعدك/ يطعمك بيديه/ ويسقيك/ ويناديك فتأتي “

في قصيدة ”طبيعة صامتة“ تكثيف موح لمشاعر الغربة والوحشة والرحلة الاخيرة وسط وحدة قتالة. وينبعث كل ذلك من مشهد هو في تطبيقه ”العملي“ ليس غريبا او نادرا بل تحفل بأمثاله اماكن كثيرة في مدن العالم الكبيرة. الا ان الشاعر ينقله من صورته في الحياة اليومية ويحوله الى صورة لمصير انساني.

يقول زقطان ”النهايات/ لما ينام الغريب الاخير على درج البيت/ او حين يغلبه النوم/ يدخل في الظل باب الحديقة/ والياسمين الذي انهكته المواعيد/ يأوي الى فسحة في الزجاج المعشق/ تأوي اليها اليمامات ايضا/ ويأتي غبار تسببه الحافلات التي تعبر الجسر...“

ويختم القصيدة الطويلة نسبيا بالقول ”انتهى الوقت يا سيدي/ تستطيع الذهاب اذن دون خوف على الليل/ لا شيء يدعو الى الخوف يا سيدي/ لم يعد ممكنا ان يموت الغريب من الحب.“

من جورج جحا

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below