March 28, 2008 / 7:48 AM / 11 years ago

اشرف الصباغ.. وقائع مفجعة في هلوسات..أو جنون "عاقل"

بيروت (رويترز) - في عمل الكاتب المصري اشرف الصباغ ”مقاطع من سيرة ابو الوفا المصري“ سخرية مرة و“وقائع“ مفجعة من بعض وجوه الحياة الثقافية والفكرية-السياسية لا في مصر فحسب بل في البلدان العربية التي حمل فيها رجال فكر ومثقفون وصحافيون لواء حركات التغيير لسنوات طويلة.

يكتب الدكتور اشرف الصباغ بصراحة نفاذة و“واقعية“ تسمي الامور باسمائها وينطلق احيانا من ”اليومي“ في الحياة ”النضالية“ في المجالات الثقافية المختلفة معتمدا لغة تحمل نبض الحياة الفعلية لكن هذه اللغة سرعان ما تنقلنا الى عوالم شعرية غائمة وموحية.

وما يقوله يرتبط غالبا بالاحلام الخائبة التي تبدو كأنها تحولت الى كوابيس وكأن العالم يسير الى نوع من التحاسد والكذب المنمق والدس والمنفعة.

ويتحول كثير من رجال الفكر والثقافة والصحافة ”التغييريين“ الى اشخاص ينطبق عليهم تعبير عربي بليغ هو ”الامّعات“.

استطاع اشرف الصباغ في تلك ”المقاطع“ التي شكل مجموعها روايته ان يرسم عالما متغيرا وسط ما يبدو للقارىء بعيد شروعه في القراءة انه مزيج او بالاحرى نسيج فيه خيوط من الحلم حينا وما يشبه حالات من السكر حينا اخر غالبا من ”هلوسات“ محزنة ممتعة يجعلها تصل الى قمم عليا فيها قد يصح ان توصف بانها حالات من الجنون ”العاقل“ الذي ينفذ مثل ”اشعة سينية“ الا انها تكشف عن بواطن النفوس اكثر من غورها في الاجساد. استطاع الصباغ وبنجاح جارح التقاط نبض مشاعر تمتزج فيها النقمة والشعور بالخيبة والسخرية عند كثير من مثقفي و“تغييري“ العالم العربي وربما العالم في شكل عام بعد ان تحول كثير من الثوار التغييريين الى ”اتباع“ من نوع او اخر.

انه حديث نجد بعض اشكاله وسماته او بعض جمله وان باختلاف كبير في الشكل التعبيري الفني عند نجيب محفوظ مثلا في ”اللص والكلاب.“

ونجد بعض اصدائه تتردد حاليا في اقوال وكتابات صارت عوضا عن الكلام عما كان يطلق عليه في السياسة تعبير ”عرب امريكا“ تتحدث عن مصطلح جديد هو ”يساريو امريكا.“

ويذهب بعضهم ومنهم يساريون في سخريته الشديدة الى حد استرجاع بعض مصطلحات ”الحرب الباردة“ بالحديث مثلا عن ”يساريي العالم الحر.“

الرواية التي جاءت في 177 صفحة متوسطة القطع صدرت عن مؤسسة ” الدار للنشر والتوزيع“ في القاهرة.

وهي العمل السابع عشر لاشرف الصباغ بعد ستة عشر كتابا بين قصص وابحاث تناولت المسرح والفنون التشكيلية والصهيونية ومنها ترجمات تناولت الأدب والمسرح الروسيين وغير ذلك.

الصفحات الاخيرة من الكتاب اي الواقعة بين الصفحة 137 والصفحة 175 جاء كثير منها اقرب الى ما يطلق عليه اسم ”قصص قصيرة جدا“ وقد اوردها الكاتب تحت عنوان ”هلوسات.“

القسم الاخير من الاهداء عند الصباغ يكشف بوضوح عن مدى السواد في نظرة الكاتب اذ يقول ”...والى ايزيس وادم لعلهما يدركان حجم الكارثة المقبلة والامل المؤجل.“

ويبدو ان كثيرا من شخصيات الصباغ هي من ”لحم ودم“ فعلا اي انها الى حدود متفاوتة اناس حقيقيون. وهنا قد يكون المفجع اشد هولا.

في الرواية مراوحة في الزمان والمكان فعلا او بالتذكر بين حاضر وامس هو غالبا عهد الدراسة في روسيا. والمكان اذن هو بين مصر وروسيا.

ينقل الكاتب بقدرة بارزة اجواء من وقائع مرة يقدمها لنا مغلفة او ”مهربة“ وقد لفها بدثار هو ”السكر“ فلا يعود القارىء يستطيع التمييز تماما بين سكر فعلي وهلوسة اذ تضيع الحدود بمكر فني.

ويبدو ان الخيبات ترد بعض الناس الى عالم من التخيّل والتوهم او الكذب ”الصافي“ يعوضون بذلك عن هذه الخيبات.

يقول الصباغ ممهدا لكثير مما سيأتي ”للخمر قوانين لا يخالفها الا الجاحد بالنعمة والناكر للجميل. في رحابها تنكسر حدود الواقع تتمدد مساحات الخيال تنهار كل الاطر والحواجز ويحلق الانسان في عالم خاص يجب احترامه بصرف النظر عن اي شيء اخر. انا احيانا وبعد القنينة الثانية او الثالثة احكي عن علاقتي بمديحة كامل وسعاد حسني ويسرا واحكي بتفصيل عن حادثة لقائي بنجيب محفوظ عندما وجهت اليه نقدا لاذعا ووافقني..“ يتابع الكاتب بلسان شخصيته هذه وكأنه يقول لنا اننا عندما نفقد تاريخا واحلاما حقيقية علينا ان نملا الفراغ بتاريخ ”بديل“ مخترع.الحياة لاتقبل الفراغ خاصة في النفوس.

ونتابع القراءة اذ يقول ”هنا تكون الخمر هي المنقذ. فما تبدعه عن نفسك في جلسة الشراب عليك ان تكرره في الصحو ايضا لا لكي تؤكده للاخرين ولكن لكي تصدقه انت نفسك ويصبح جزءا من تاريخك. ثم تاريخك ثم انت نفسك.“

وصل البطل الى هذه النتيجة بعد شرح اختصر فيه الكثير من وقائع الحياة الجديدة ”في الآونة الاخيرة ومع انفتاحة موسكو حصل كل منا على عمل محترم في وسائل الاعلام العربية. ولكن لسوء حظي فقد فصلوني سريعا بينما صار الاصدقاء في لمح البصر نجوما في الصحف والتلفزيونات بل وصار جزء كبير منهم محللين سياسيين متخصصين في علم السياسة والثقافة والقانون الدولي واللاهوت وبالتالي كان لا بد من ان يصنع كل واحد لنفسه سيرة ذاتية جديدة مطعمة ببعض بنود النضال ضد الامبريالية والاستعمار..“

ويتحول عالم هؤلاء الناس الى عالم من ”الخناجر“ في صور ألسنة نهاشة وخطط تجعل من الناس اشبه باكلة لحوم بشرية كل منهم يتسابق الى لحم الاخر.

يسود الادعاء والكذب والتلون ويطفو على السطح كل انواع النتاج التافه. يسود التعهر الفكري وينكفيء الاصيل الجيد كأنه غريب في هذا العالم. وربما جاء ”الحل“ بالانتحار احيانا. لكن يبدو انه حتى الموت لا يستطيع ان يمحو شهوة ”النهش“ الرهيبة هذه.

يكتب اشرف الصباغ ما يضحك وما يبكي وعنده قد تتبادل انواع الضحك والبكاء الادوار. انه ”جدي“ مثل شفرة قاطعة حتى حيث يضحك القارىء. شفرة حادة يحركها الغضب والحزن والقرف. الا انه قادر في كل ذلك على شد القارىء اليه وجعله يتابع القراءة بلذة وشغف.

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below