4 حزيران يونيو 2008 / 00:02 / بعد 9 أعوام

علاج المرضى النفسيين في العراق قد ينطوي على مجازفة

بغداد (رويترز) - كل مرة يستقبل فيها طبيب الأمراض النفسية العراقي شعلان جودة رسالة تهديد على هاتفه المحمول تضيف إليه لمحة عن الرعب الذي يسيطر على عقول مرضاه.

<p>عراقي يطمئن على شقيقه المريض بمستشفى ابن رشد للأمراض النفسية ببغداد يوم الاثنين. تصوير: محمود رؤوف محمود - رويترز</p>

”سنقطع رأسك.“ أو ”خمس طلقات ستقتلك.“ أو ”سيكون مصيرك نفس مصير زملائك.“

فيما يقرأ التهديدات يهز جودة وهو أحد أبرز الاطباء النفسيين في العراق رأسه عاجزا عن التصديق. انه لا يستطيع أن يفهم لماذا يريد اي أحد أن يقتله وهو الطبيب المتفاني في مساعدة الناس على التعامل مع الام الامراض العقلية.

لكن هذا هو العراق حيث وقع الكثير من أعمال العنف واراقة الدماء على مدار الاعوام الخمسة الماضية بحيث لا يستطيع الضحايا او من يحاولون معالجتهم أن يفهموا مغزاه. هذا هو ما يحاول جودة أن يشرحه برفق للمرضى الذين أصيبوا بصدمات عصبية اثر اصابتهم بأعيرة نارية او تعرضهم لتفجيرات أو ضرب أدى بهم الى انهيار جسماني وعقلي.

ان معالجة أعداد متزايدة من حالات اضطراب ما بعد الصدمة ناهيك عن الحالات المعقدة مثل الانفصام او الاضطراب ثنائي القطب صعب بما فيه الكفاية بدون التلفت عن يمينه وعن يساره في كل مرة يغادر فيها منزله او عمله.

لكن راحة البال حلم بعيد المنال في العراق للاطباء النفسيين القلائل الذين لم يفروا بعد قتل زملائهم ولمرضاهم على حد سواء. واستهدف مسلحون مجهولون يسعون الى بث الرعب والفوضى عشرات الاطباء والاكاديميين في الصراع الذي أودى بحياة عشرات الالاف من العراقيين.

كانت لدى جودة خطط كبيرة حين أصبح مديرا لمستشفى ابن رشد للطب النفسي في بغداد الذي كان ذات يوم مصدرا للامل للمرضى النفسيين في البلاد التي عانت من ويلات الحرب ضد ايران في الثمانينات ونحو 30 عاما من حكم الرئيس السابق صدام حسين بقبضة من حديد.

كان يأمل تطبيق نظام حديث في الادارة واعادة تنظيم أنظمة حفظ الملفات أو احراز تقدم جديد في مجال أبحاث الصدمات. لكن حالة الفوضى والاضطراب التي تسود العراق حطمت أحلامه.

فعنابر مستشفاه كئيبة وخالية من الاثاث. وهناك نقص في الادوية اللازمة لعلاج الذهان والاكتئاب. ويضطر الاطباء الى الاعتماد على الة للصدمات الكهربائية صنعت في السبعينات لعلاج الحالات الاكثر خطورة.

وبدلا من أن يعثروا على الهدوء تجري تذكرة المرضى النفسيين بالمخاطر القابعة وراء بوابات مستشفاهم كلما رأوا رجال الامن وهم يقومون بدوريات في المنطقة.

وقال جودة وهو يجلس في مكتبه البسيط المظلم يقلب في الملفات ”لا نملك المال فحسب.“ ويأسف لتراجع مهنته منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 .

العراق الذي كان يفخر بامتلاكه بعض أفضل المنشات الطبية في العالم العربي يقدر جودة الان أن عدد الاطباء النفسيين الذين بقوا لشعبه البالغ عدده 27 مليون نسمة هو 80 طبيبا بالكاد.

ويجب أن يعتبر العراقيون الذين يدخلون المستشفى أنفسهم محظوظين.

فكثير من الناس الذين تفاقمت حالاتهم المرضية بسبب تفجيرات القنابل على الطرق او خطف أقاربهم وأصدقائهم لا يستطيعون الوصول الى مستشفى ابن رشد في وسط بغداد قط. فلا يشغل المرضى سوى 20 سريرا من جملة 74 .

وقال جودة الذي بدا وجهه منهكا بسبب الضغط الذي يعانيه مما يجعله يبدو في سن اكبر من سنه الحقيقية وهي 43 عاما ”نستطيع أن نساعد الناس في بغداد... لكن أعدادا متناقصة من المرضى تستطيع الحضور لانهم يخشون السفر الى بغداد. انهم يخشون من أن يقتلوا على الطرق.“

ترغب كريمة جاسم في خوض المجازفة بعد أن أعيتها الحيل لتخفيف حدة الاكتئاب الذي تعاني منه ابنتها. لكن في الاونة الاخرة قللت المشاكل المالية من معدل هذه الزيارات.

وكانت سيارة للجيش الامريكي قد صدمت حصانا كانت أسرتها تستخدمه لنقل السلع الى متجرها. وأجبرهم فقد الحصان على اغلاق تجارتهم التي كانت تعتمد على بيع السلع الغذائية الاساسية والان تستجدي المال من المارة في الشوارع حتى تستطيع احضار ابنتها الى المستشفى.

وتقول كريمة وقد وضعت يديها على صدغيها لتوضح كيف تجري العملية ”ابنتي تعالج بالصدمات الكهربائية... انها مؤلمة لها للغاية. أسنانها تصطك.“

وتترك وصمة العار المرتبطة بالمرض العقلي الكثير من العراقيين بلا حيلة. وتعيش أسرهم في حالة من الانكار حيث ينقلونهم الى غرف الطواريء ويعرضونهم على الاطباء بدلا من الاطباء النفسيين.

ويقول أطباء نفسيون انه في القرى يؤخذ البعض الى طاردي الارواح للتخلص مما يعتقد أنها أرواح شريرة. وقد يستغرق حصول الناس على علاج ملائم سنوات كثيرة.

وصل أشرف الى مستشفى ابن رشد قبل اسبوعين. في عام 2004 كان قد رأى مسلحين يقتلون صديقه ثم أصابوه بعيار ناري في ساقه.

جلس بعد عناء في مقعده الى جانب عكازيه واعترف بما يخجل الكثير من العراقيين منه قائلا ”انني مكتئب وبحاجة للمساعدة. أريد أن أعلم ما الخطب.“

ويصعب تصديق أن جودة الذي يواجه هذا الكم الهائل من معاناة البشر لا يحتاج هو شخصيا الى طبيب نفسي. ويقول انه اعتاد الامر.

ويعلم جودة أنه يمكن أن يقتل في أي لحظة مثلما توضح الرسائل النصية المرعبة لكنه يعتزم البقاء.

ومضى يقول ”لن أرحل. انني غير مؤمن بهذا. وظيفتي هي مساعدة الناس.“

من مايكل جورجي

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below