26 تشرين الثاني نوفمبر 2013 / 07:24 / بعد 4 أعوام

"الشيطان الأكبر" يقابل "محور الشر" ويتفق معه

جنيف (رويترز) - امتد السهر ليل السبت إلى صباح الأحد وقد جاوزت المحادثات المستمرة منذ أربعة أيام بخصوص برنامج إيران النووي المواعيد المقررة بالفعل وطغت على الوقت الذي كان فندق إنتركونتننتال جنيف قد خصصه لحدث آخر.

وزير الخارجية الامريكي جون كيري (يمينا) يصافح نظيره الايراني محمد جواد ظريف في جنيف يوم 24 نوفمبر تشرين الثاني 2013 - رويترز

وكان حفل أقيم لجمع المال لأنشطة خيرية يسدل أستاره في مشرب فوق بهو الفندق والفرقة الموسيقية تؤدي في ختام الحفل أغنية جوني كاش ”سقطت في حفرة من نار متأججة“ والدبلوماسيون المنهكون ما زالوا يحاولون في قاعات المؤتمرات المجاورة وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق. وخرج المفاوضون من قاعاتهم يشكون من أن بهو الفندق تفوح منه رائحة الجعة.

وفي حوالي الثانية صباحا استدعي وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظراؤه البريطاني والصيني والفرنسي والألماني والروسي إلى قاعة للمؤتمرات لإقرار النص النهائي للاتفاق الذي يخفف العقوبات عن إيران بعض الشيء مقابل فرض قيود على برنامجها النووي.

وفي اللحظة الأخيرة بعد أن تجمع الوزراء في القاعة اتصل مسؤول إيراني طالبا إجراء تعديلات. ورفض مفاوضو القوى العالمية. وأخيرا أبلغ الوزراء بانتهاء الخلاف وأصبح الاتفاق الذي استغرق الوصول إليه عشر سنوات جاهزا للتوقيع بعد طول عناء.

لكن المفاوضات لم تنته بتوقيع هذا الاتفاق المؤقت إذ ما زال على الطرفين التوصل إلى اتفاق نهائي يبدد تماما الشكوك في برنامج إيران النووي.

وقال كيري للصحفيين ”الآن تبدأ المرحلة الصعبة حقا. نحن نعرف هذا.“

تحسن

يمثل الاتفاق أهم تحسن في العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران فيما يزيد على 30 سنة منذ احتجز الطلبة الثوريون الإيرانيون 52 أمريكيا رهائن في السفارة الأمريكية في طهران. لكنه كاد ألا يكتمل.

فحتى اليوم الأخير كان لا يزال هناك كثير من العمل ينبغي إنجازه عندما وصل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لينضم إلى وزراء خارجية بريطانيا والصين وفرنسا وألمانيا وروسيا.

وكان المسؤولون من عدد من هذه الدول يشكون في التوصل إلى اتفاق. وقال دبلوماسيون أوروبيون بنبرة تنم عن استياء إن وزارء خارجيتهم لم يشأوا القدوم إلا في وجود نص نهائي جاهز لكنهم اضطروا للحضور على أي حال عندما وصل وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف يوم الجمعة.

وعندما وصل وزراء الخارجية أجلي بعض كبار الدبلوماسيين والصحفيين من غرفهم في الفندق لإفساح المكان لهم.

وبعد وصول كيري يوم السبت التقى الوزير الأمريكي بنظيره الإيراني محمد جواد ظريف ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين أشتون التي قادت وفد القوى الكبرى التفاوضي.

وأفاد مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية بان كيري أبلغ ظريف بأنه لا مجال للمزيد من التأخير فستدعو إدارة الرئيس باراك أوباما لفرض مزيد من العقوبات المشددة على إيران ما لم يتم التوصل إلى اتفاق الآن. ويطالب بعض أعضاء الكونجرس بتشديد العقوبات وقد ينضم البيت الأبيض إليهم.

وقال مسؤول وزارة الخارجية إن كيري أوضح أنه ”لا سبيل لمنع العقوبات الجديدة لإفساح المجال لجولة جديدة من المحادثات وسنقود الحملة لفرض مزيد من العقوبات ما لم نتوصل إلى اتفاق.“

وبحلول مساء السبت كان النص النهائي قد حظي بموافقة أوباما شخصيا في واشنطن. وفي علامة على حجم المجازفة التي تقدم عليها الإدارة الأمريكية استنكرت إسرائيل حليفة الولايات المتحدة الأساسية في الشرق الأوسط الاتفاق الذي وصفته بأنه ”خطأ تاريخي“ قائلة إنه يخفف العقوبات دون تفكيك برنامج إيران النووي.

لكن أوباما قال إن الاتفاق يضع حدودا لبرنامج إيران النووي يصعب عليها معها أن تصنع سلاحا ويسهل على العالم أن يعرف إن حاولت.

وأضاف متحدثا أمام الإعلام في وقت متأخر في البيت الأبيض بعد التوصل إلى الاتفاق ”إنه ببساطة يقطع الطرق التي يرجح أن تسلكها إيران للوصول إلى القنبلة.“

ولم يكن أوباما وحده من يجازف. فقد وعد الرئيس الإيراني الجديد المعتدل نسبيا حسن روحاني مواطنيه عندما انتخب في يونيو حزيران ونصب في أغسطس آب بتخفيف العقوبات التي تكبل اقتصاد بلدهم. لكن إيران استثمرت مليارات الدولارات في البرنامج النووي الذي تعتقد مؤسستها الدينية والعسكرية أنه أساس راسخ للكبرياء الوطنية.

وقبل إيفاد ظريف إلى جنيف عقد هو وروحاني اجتماعا مع الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي الذي لا بد من الحصول على موافقته على أي اتفاق.

وقال مسؤول إيراني سابق يمت بقرابة عائلية لخامنئي ”الشغل الشاغل للزعيم هو كتلة أنصاره الأساسيين الذين يعتقدون جازمين أنه ينبغي عدم عقد أي اتفاق مع أمريكا ويراقبون التطورات عن كثب بحثا عن نقطة ضعف أو فشل ينسبونه إلى المفاوضين لخيانتهم القيادة.“

محادثات سرية

كان من بين العوامل التي أفضت إلى الاتفاق محادثات سرية أجريت مع إيران على مدى شهور في أماكن غير متوقعة مثل سلطنة عمان واستخدم خلالها المسؤولون الأمريكيون الطائرات العسكرية والمداخل الجانبية ومصاعد الخدمة للحفاظ على السرية.

وقد أكد مسؤولون أمريكيون ومسؤول إيراني سابق إجراء هذه المحادثات التي كانت أهم اتصال فيما يزيد على 30 عاما وصفت إيران الولايات المتحدة خلالها بأنها ”الشيطان الأكبر“ ووصفت الولايات المتحدة إيران بأنها جزء من ”محور الشر“ مع العراق وكوريا الشمالية.

وهي تكشف عن رغبة أمريكية ترجع إلى بداية إدارة أوباما في يناير كانون الثاني 2009 لاستكشاف السبل التي قد تفضي إلى مصالحة بين البلدين اللذين يتناصبان العداء منذ 1979 وكانا قبلها حليفين.

وأفاد المسؤول الأمريكي الذي تحدث شريطة عدم الإفصاح عن اسمه بأن من بين المسؤولين الذين شاركوا في هذه الجهود وليام بيرنز نائب وزير الخارجية وجيك سوليفان مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس الأمريكي جو بايدن. وقال المسؤول إن الرجلين اجتمعا يرافقهما في بعض الأحيان مسؤولون آخرون مثل بونيت تالوار عضو مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض مع المسؤولين الإيرانيين خمس مرات على الأقل هذا العام.

وأضاف أن بيرنز وسوليفان وخبراء فنيين وصلوا إلى العاصمة العمانية مسقط في مارس آذار بطائرة عسكرية - حفاظا على السرية - لمقابلة الإيرانيين.

وكان هذا قبل انتخاب روحاني بشهور وهو ما يمثل علامة على أن المسؤولين الإيرانيين كانوا قد بدأوا يتقبلون فكرة المحادثات بالفعل قبل توليه السلطة.

وكان من بين أسباب فوز روحاني على مرشحين أكثر تشددا الأمل في أن يتمكن من تخفيف العقوبات التي يتزايد تأثيرها الخانق على الاقتصاد الإيراني منذ أن شددتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في 2011 لتشمل صادرات النفط ذات الأهمية الحاسمة للاقتصاد.

وحل روحاني الذي كان في وقت من الأوقات رئيسا لوفد إيران في المفاوضات النووية محل الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد الذي كان أميل لأسلوب الصدام. لكن في النهاية ما كان ممكنا إجراء مفاوضات دون موافقة الزعيم الأعلى خامنئي.

الضوء الأخضر

وقال مسؤول إيراني سابق شارك في إحدى جولات المحادثات السرية ”منحهم الزعيم الضوء الأخضر لكنه لم يكن متفائلا بخصوص النتيجة.“ وأضاف أن أصعب اجتماع كان الاجتماع الأول بسبب تشكك خامنئي.

وكانت قناة عمان نفسها مفتوحة برعاية كيري الذي زار السلطنة سرا لمقابلة مسؤولين عمانيين بصفته رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي قبل أن يتولى وزارة الخارجية.

وبعد أن حل كيري في أول فبراير شباط محل هيلاري كلينتون في وزارة الخارجية تقرر استمرار قناة عمان كعامل مساعد للمحادثات المتعددة الأطراف التي تقودها مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي أشتون نيابة عن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وألمانيا وهي المجموعة المعروفة باسم خمسة زائد واحد. وزار كيري سلطنة عمان بنفسه في مايو أيار لإجراء محادثات مع المسؤولين العمانيين.

وقرابة الوقت الذي تولى فيه كيري وزارة الخارجية بعث على أكبر صالحي وزير الخارجية الإيراني آنذاك في عهد أحمدي نجاد رسالة غير عادية من ثلاث صفحات بخط اليد إلى خامنئي يدعو فيها إلى إجراء ”مناقشات موسعة مع الولايات المتحدة“.

وقالت عدة مصادر إن الزعيم الأعلى بعث برغم شكه في إمكان نجاح مثل هذا المسار ردا إلى صالحي وبقية أعضاء مجلس الوزراء يفيد بأنه غير متفائل لكنه لن يعترض سبيلهم إذا عملوا بهذه المبادرة.

وقال مصدر يعرف صالحي ورأى الرسالة ”خاطر صالحي بمستقبله السياسي بل وبأمنه الشخصي. لكنه قال إن هذه الرسالة ستسجل في التاريخ.“ وفي أغسطس آب عين روحاني صالحي رئيسا لهيئة الطاقة الذرية الإيرانية.

وقال المسؤول الأمريكي الكبير إن أربعة من الاجتماعات الأمريكية الإيرانية السرية عقدت بعد تولي روحاني منصبه في أغسطس آب وهو ما يمثل علامة على أن الولايات المتحدة كانت تحاول أن تستغل الفرصة التي أتاحها تولي الرئيس الجديد.

والتقى كيري مع وزير الخارجية الإيراني في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر أيلول وبعدها بقليل تحادث أوباما وروحاني هاتفيا في أرفع اتصال بين الولايات المتحدة وإيران منذ ثورة 1979 الإسلامية.

وتحدث كيري مع وزير الخارجية الإيراني هاتفيا كذلك في 25 أكتوبر تشرين الأول والثاني من نوفمبر تشرين الثاني ولم تكشف وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك عن فحوى محادثاتهما.

وشهدت الشهور الأخيرة كذلك تغيرا ملحوظا في لغة الجسد عند وجود دبلوماسيين من الولايات المتحدة وإيران في الغرفة نفسها. فأيا ما كانت العلاقات بين البلدين يسلك المسؤولون من الجانبين الآن سلوكا عاديا.

وخلال محادثات أجريت في جنيف في وقت سابق هذا الشهر رصدت رويترز وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية وندي شيرمان يتبادل الحديث منفردا في بهو فندق مع نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

ولم تكن مثل هذه اللقاءات الودية العرضية في العلن أمرا يمكن تصوره قبل أشهر قليلة.

ومع ذلك كانت الولايات المتحدة حريصة على استمرار إحاطة دور بيرنز وسوليفان بالسرية إلى حد أنها أوفدتهما إلى جنيف مرتين هذا الشهر للمشاركة في محادثات موسعة بين إيران والقوى الكبرى دون أن تدرج اسميهما في قائمة الوفد الرسمي وجعلتهما يستخدمان مداخل جانبية للفندق ومصاعد الخدمة حفاظا على السرية.

الدفعة الأخيرة

وعندما آن أوان الدفعة الأخيرة في جنيف توقع الدبلوماسيون ألا يحضر رؤساؤهم وزراء الخارجية إلى أن يكتمل النص النهائي تقريبا. وانتظر الصحفيون انتظارا مكلفا يثقل على جيوبهم بأسعار المشروبات في الفندق.

وحتى بعد وصول وزراء الخارجية لم يبد المسؤولون تفاؤلا بخصوص إمكان التوصل إلى اتفاق في اليوم الأخير.

وقال وزير الخارجية الألماني جيدو فسترفيله ”الاتفاق ليس مضمونا. ثمة فرصة واقعية لكن ما زال يتعين إنجاز كثير من العمل.“

ومن بين أسباب الخلاف الأخيرة مفاعل الماء الثقيل الإيراني في أراك الذي تشتبه الدول الغربية بأن إيران قد تننج فيه يوما البلوتونيوم اللازم لصنع قنبلة.

وقال وزير الخارجية البريطاني وليام هيج ”تبين أن تعيين الحدود لذلك وتحديد ما ينبغي أن يحدث هناك في فترة الأشهر الستة مهمة صعبة. لكن ذلك اتفق عليه الآن. وكان حل هذه المشكلة هو ما ساهم في فتح السبيل أمام الاتفاق.“

وكان المسؤولون الفرنسيون يطالبون في العلن باتخاذ موقف متشدد من إيران لكن عدة دبلوماسيين غربيين قالوا إن الفرنسيين كانوا أكثر مرونة وراء الأبواب المغلقة.

وكانت أراك مشكلة صعبة لكنها لم تكن أصعب المشاكل. فقد كانت إيران والقوى الكبرى ما زالت بحاجة إلى إيجاد صيغة مقبولة للجانبين بخصوص ما تعتبره إيران حقها الأساسي في تخصيب اليورانيوم.

وقال عضو كبير في الوفد الإيراني إن ظريف عقد قبل توجهه إلى جنيف اجتماعا حاسما مع خامنئي في حضور روحاني.

وأضاف ”أكد الزعيم أهمية احترام حق إيران في تخصيب اليورانيوم وأنه يساند الوفد ما دام يحترم هذا الخط الأحمر.“

وأفاد مصدر آخر في إيران بأن ظريف وروحاني وكبار حلفائهما عقدوا في وقت لاحق اجتماعا استمر ثلاث ساعات وناقشوا ”حلول إنقاذ ماء الوجه“ المختلفة فيما يخص الصياغات التي يتوخون أن تكون مقبولة للجانبين.

وجاء في اتفاق الأحد أن إيران والقوى الكبرى تهدف إلى الوصول إلى اتفاق نهائي ”يشمل برنامجا للتخصيب معرفا بطريقة مشتركة ويتفق الجانبان على قيمه المتغيرة بحيث تتفق مع الحاجات العملية كما يتفقان على حدود نطاق أنشطة التخصيب ومستواها وقدرتها ومكان تنفيذها ومخزونات اليورانيوم المخصب لفترة محددة يتفق عليها“.

ويمكن للمسؤولين الإيرانيين أن يشيروا إلى ذكر برنامج التخصيب على أنه نصر لهم يبين أنه سيسمح لهم بالاحتفاظ به. ويقول المسؤولون الغربيون إن الاتفاق لا يعني شيئا من ذلك ويؤكدون أن كل الحدود معينة في النص.

وتبرز خلافات التفسير مدى صعوبة التقدم نحو اتفاق نهائي يحل الخلافات حلا نهائيا. وقد يتعثر التقدم بسهولة.

ومع ذلك يمثل الاتفاق بالنسبة إلى من يلتزمون به من الجانبين نصرا تاريخيا.

وقال المسؤول الإيراني السابق الذي شارك في المحادثات السرية مع الولايات المتحدة ”جازفنا لكننا فزنا.“

من لويس شاربونو وباريسا حافظي وأرشد محمد

شارك في التغطية جون أيريش وجاستينا باولاك - اعداد عمر خليل للنشرة العربية - تحرير منير البويطي

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below