5 آذار مارس 2014 / 18:34 / منذ 4 أعوام

إردوغان يحشد تأييدا شعبيا في صراع على السلطة

رئيس الوزراء التركي طيب اردوغان يلقي كلمة امام حشد في وسط تركيا يوم الثلاثاء. تصوير. اوميت بكطاش - رويترز

أنقرة (رويترز) - يقف أمام حشود المؤيدين مرتديا عباءة البطل التراجيدي فيشبه أعداءه بالطفيليات ويتلو القصيدة التي زجت به يوما في السجن بتهمة التحريض ويتحدث عن مثله السياسي الأعلى الذي أطاح به قادة الجيش وشنقوه.

إنه الزعيم التركي طيب إردوغان الذي تعصف به فضيحة فساد يقول إن حليفا سابقا حاكها له والذي يبذل قصارى جهده لتأمين مستقبله السياسي قبيل انتخابات مقررة في مارس آذار. وهو إضافة إلى ذلك يرى خطرا على نتائج حملة بدأت منذ 11 عاما لتغيير وجه تركيا وكسر قبضة النخبة العلمانية في المدن الكبرى على البلاد.

ووسط خضم من رايات حزب العدالة والتنمية بلونيها البرتقالي والأزرق تحدث رئيس الوزراء في مدينة دنيزلي بغرب البلاد بنبرة غاضبة تارة وساخرة تارة أخرى عن حملة شملت تسجيلات صوتية على الإنترنت تتهمه وأفرادا من أسرته بالفساد وقال إن المحرضين عليها أسوأ من الطفيليات مصاصة الدماء.

قال بصوت مدو ”بل إن الطفيليات أكثر عفة. الطفيليات تمص دماء ملوثة بينما هم يمصون دماء طاهرة ويسبونني ويسبون زوجتي وأبنائي وإدارتي في مجالسهم“ مشيرا إلى أنصار حليفه السابق فتح الله كولن رجل الدين المقيم في الولايات المتحدة.

كان الجمع المحتشد في دنيزلي والذي جلبت حافلات كثيرا من المشاركين فيه مثالا لمؤيدي إردوغان من متدينين محافظين ونساء جلهن متحجبات وبعضهن منتقبات وأناس يرون في عهده تحقيقا للعدالة الاجتماعية. وفي عهده خفت القيود على وضع الحجاب في الإدارات الحكومية وازدهرت نخبة جديدة من رجال الأعمال في هضبة الأناضول.

وينفي كولن -الذي تحظى شبكة ”خدمة“ التابعة له بنفوذ قوي داخل أجهزة الشرطة والقضاء- أي دور له في الفضيحة التي تفجرت في 17 ديسمبر كانون الأول إثر مداهمات شملت أبناء وزراء ورجال أعمال مقربين من إردوغان. وينسب إلى كولن الفضل بوجه عام في مساعدة إردوغان على كسر سلطة الجيش السياسية التي فرضت لعقود قيودا على الإسلام السياسي.

وقال خاقان ألتيناي من مؤسسة بروكينجز إن إردوغان “يعاني من عقدة المخلص المنتظر وتركيا أصغر من أن تحتمل اثنين من المخلصين المنقذين. إنها حرب بين عملاقين.

”سيخسران كلاهما وسيخرجان من المعركة جريحين... لكن الأمر الذي يبعث على أشد القلق هو أنه (إردوغان) يمزق النسيج الاجتماعي لهذا البلد.“

ورد إردوغان بتطهير الشرطة والقضاء من الشخصيات المقربة من كولن الذي أرسى دعائم نفوذه في شبكة من المدارس والشركات التجارية والمؤسسات الإعلامية والذي يتهمه إردوغان بإقامة ”دولة موازية“ متشعبة انقلبت الآن على الحكومة وهو ما ينفيه حيلفه السابق.

- ”دولة عميقة“

كان الإنجاز الذي حققه إردوغان من خلال تأسيس حزب العدالة والتنمية عام 2001 هو توحيد أطياف متعددة من القوميين والإصلاحيين الاجتماعيين والاقتصاديين وكذلك عناصر من حزب ديني محافظ أخرجه الجيش من السلطة عام 1997.

نشأ إردوغان في شوارع حي قاسم باشا في اسطنبول وكان مثالا للزعامة القوية التي أرادها الشعب التركي بعد أن عانى طويلا من الفوضى الاقتصادية والتخبط السياسي. لكن تلك القوة تجلت أيضا فيما اعتبره حتى حلفاؤه في ذلك الوقت عدم تقبل أي انتقاد.

ومن المفترض أن تعطي الانتخابات المحلية المقررة في 30 مارس آذار مؤشرا لما إذا كانت فضيحة الفساد ورد الفعل المعارض لميوله الاستبدادية قد قلصا رقعة التأييد له إلى حدود دائرة أنصاره المباشرين مثل أولئك الذين هتفوا له بحماس في دنيزلي.

وكانت انتصارات حزب العدالة والتنمية السابقة -الذي يعني اسمه المختصر (أك) النقي أو الطاهر- نابعة في جانب منها من الغضب من الأحزاب التقليدية بسبب الفساد والفشل في إدارة الشؤون المالية.

وربما تقدم الانتخابات أيضا مؤشرات تدل على الطريقة التي قد يحتفظ من خلالها بقبضته على السلطة في السنة القادمة.

وردا على الانتقادات التي تتهم الحكومة بإنشاء نظام بوليسي لحماية نفسها قال يالجين أكدوجان أحد كبار مستشاري إردوغان إن أنصار كولن أنشأوا بالفعل نظاما من هذا النوع وهو ما ينفيه رجل الدين.

وقال أكدوجان إنهم ”فتحوا ملفات للجميع ووجهوا دفة السياسة بحيث يمكن الوصول لنقطة تتيح لهم تقرير مستقبل البلاد... مثل هذه الدولة العميقة والهياكل المخابراتية التي تفتقر للشرعية لا يمكن أن تقرر مستقبل البلد.“ وأضاف ”على الحكومة أن تتصدى لها بالطبع.“

وتابع قائلا ”خضعت مكالمات 7000 شخص للمراقبة لسنوات ... أمامنا شيء أشبه بعصابة ابتزاز.. تفتح ملفات للجميع وتخترق الحياة الخاصة وتراقب محادثات الجميع بما يخالف القانون.“

- الحراك الاجتماعي

قد لا تكون حجج إردوغان مقنعة للجميع. فقد استغل سلطته في استصدار تشريعات وتقييد الإعلام وتشديد قبضة حزب العدالة والتنمية على مؤسسات الدولة. وتأتي تركيا الآن في المرتبة الثانية بعد روسيا في عدد الأحكام الصادرة بحقها من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بواقع 118 حكما مقابل 119 لروسيا.

وفي الصيف الماضي قوبلت محاولة لإعادة تطوير حديقة غازي في اسطنبول بمظاهرات استمرت أكثر من عشرة أيام احتجاجا على ما يعتبره منتقدو إردوغان تدخلا سافرا منه في حياة الأتراك الخاصة والعامة. وامتدت الاحتجاجات إلى زهاء 50 مدينة بعد أن لجأت قوات الأمن للعنف لقمعها.

ورغم أن هذه الأحداث هزت تركيا وكشفت عن عجز إردوغان عن إدخال جميع المواطنين بمختلف أطيافهم في قالبه المحافظ فهي لم تفت في عضد مؤيديه.

ورغم ما يلقاه من تهكم على تويتر أو فيسبوك فقد ظل محتفظا بقبضة قوية على منطقة الأناضول التقليدية.

وخلال سنواته التي تزيد عن العشر في السلطة انتشر الثراء والمشاركة في الحياة العامة والخدمات مثل الرعاية الصحية والتعليم في أنحاء تركيا على نحو لم يحدث من قبل فضلا عن مد الطرق وخدمات النقل الجوي الرخيصة.

وقال دبلوماسي أوروبي إن أغلب داعمي إردوغان يرون أن النزاع مع كولن ”ليس معركتنا“ ويرون أنهم يعيشون في عالم آخر.. عالم أفضل كثيرا بفضل إردوغان.

وفي تجمع انتخابي آخر تطرق إردوغان بأداء أدبي مسرحي إلى لحظات أصعب في تاريخه عندما أدين لإلقائه قصيدة اعتبرت تحريضا على الكراهية الدينية.

وقال أمام حشد في إسبرطة ”المآذن حرابنا .. والقباب خوذاتنا .. والمساجد ثكناتنا .. والمؤمنون جيشنا.“ وأضاف ”سجنت لأنني تلوت هذه الكلمات.“

والفساد ليس بالأمر المستغرب لدى كثيرين ممن يرونه عوضا شبه مشروع عن التحسن الواضح في مستوى معيشتهم. وقال دبلوماسي أوروبي إن هؤلاء سيتقبلون رواية حزب العدالة والتنمية عن وجود مؤامرة حيكت في الخارج وينفذها أنصار كولن في الداخل.

وأضاف الدبلوماسي ”كنا أمام نظام أقرب ما يكون إلى النظام الاستعماري الذي تجد فيه النخب التركية البيضاء أن من الطبيعي أن يكون أبناء الريف فقراء وخدما من الناحية الفعلية ولا يتمتعون بنفس الإمكانات التعليمية.“

وتابع ”وقد أحدث حراكا اجتماعيا. أعتقد أن هناك شيئا عميق الصدق في مهمته هنا.“

- مسحة مأساوية

ويصور أعداء إردوغان رئيس الوزراء على أنه رجل فاسد أو يقولون إن له أهدافا إسلامية خفية وهو ما ينفيه أيضا لكن لا يفوت من يراقبونه بإمعان ملاحظة ذلك الإحساس بأنه صاحب رسالة وهو إحساس يمتزج بمسحة مأساوية مستمدة من ماضي تركيا.

ولا يفتأ إردوغان يشبه نفسه بعدنان مندريس وهو رئيس وزراء تركي أطاح به انقلاب عسكري عام 1960 وأعدم شنقا هو ووزيران بعد ذلك بعام.

وخفف مندريس القيود على ممارسة الشعائر الدينية تماما كما فعل إردوغان فسمح بفتح آلاف المساجد المغلقة وفتح مدارس دينية جديدة وأجاز قانونيا بث الآذان باللغة العربية. واتهم كذلك مثلما اتهم إردوغان بممارسة الحكم بطريقة تتزايد استبدادا والتضييق على حرية الصحافة.

وقال إردوغان ”تحريضهم دفع بالراحل مندريس وصديقيه إلى حبل المشنقة. حزب الشعب الجمهوري هو المسؤول عن هذا الحدث“ مشيرا إلى الحزب الذي أصبح الآن المعارضة الرئيسية لحكمه.

واضاف في تجمع حاشد في مدينة موجلا في جنوب غرب البلاد قرب كوجارلي بلدة مندريس ”وهم الآن يفعلون بنا ما فعلوه بمندريس. يوجهون إلينا افتراءات قبيحة.. افتراءات الفساد.. افتراءات بذيئة... أيا كان الدور الذي قام به حزب الشعب الجمهوري آنذاك هو يضطلع بالدور نفسه اليوم.“

ومن المعتقد على نطاق واسع أن كولن ساعد بما له من نفوذ في الشرطة والقضاء على إخراج الجيش من الحياة السياسية وهو المؤسسة التي أطاحت بمندريس وثلاثة رؤساء حكومات آخرين في العقود اللاحقة. ويقبع مئات من كبار الضباط في السجن الآن بعد أن أدينوا بتدبير انقلابات. وأصبحت القيادة العليا للجيش الآن موالية لإردوغان واختير أفرادها واحدا واحدا بعناية.

ويبدو وقوع انقلاب عسكري أمرا بعيد الاحتمال للغاية. كما يبدو حزب الشعب الجمهوري الذي أنشأه مؤسس الدولة العلمانية مصطفى كمال أتاتورك أضعف كثيرا من أن يكون ندا لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات. وقد أوضح كولن إنه لا يعتزم تشكيل حزب سياسي.

وقال ألتيناي من مؤسسة بروكينجز ”ما من قوة سياسية تمسك بالمكونات وتطبخ وجبة أفضل. المعارضة فاقدة الاتجاه.“

ويغلب لون حزب العدالة والتنمية البرتقالي على الخارطة الانتخابية ويبدو أن ذلك سيظل هو الحال بعد الانتخابات البلدية برغم احتمال أن يكون السباق على بلدتي اسطنبول وأنقرة متقاربا. ومن شأن خسارة أيهما أن تحد من الهالة التي تحيط بإردوغان كزعيم لا يقهر والأهم من ذلك أنها ستثير الشك في إمكان حصوله على نسبة الخمسين في المئة التي يحتاجها للفوز في التصويت الشعبي في انتخابات الرئاسة في الصيف.

- الاستقطاب

تمنع لائحة حزب العدالة والتنمية الداخلية إردوغان من رئاسة الحكومة فترة رابعة بعد الانتخابات العامة التي تجرى في 2015.

وكان يعتزم في البداية الانتقال الى منصب الرئيس مع تعزيز سلطاته التنفيذية. وعندما فشلت هذه الخطة في نيل التأييد الكافي قال مساعدوه إن الرئيس له على أي حال صلاحيات نادرا ما تستخدم مثل رئاسة اجتماعات الحكومة. وسيكون استخدام هذه الصلاحيات مبررا أكثر من ذي قبل بعد تطبيق نظام الانتخاب الشعبي المباشر للرئيس للمرة الأولى.

ويتمثل الخطر بالنسبة إلى إردوغان في أنه قد لا يتمكن من الفوز بنسبة الخمسين في المئة اللازمة لتحقيق نصر حاسم من الجولة الأولى في الانتخابات الرئاسية. وقد يتحد معارضوه بما يتسمون به من ضعف ويأس خلف مرشح واحد للتغلب عليه في الجولة الثانية. ومما يبرز ملامح هذه الصورة حصول حزب العدالة والتنمية على 49.8 في المئة من الأصوات في الانتخابات العامة عام 2011.

وقال الدبلوماسي الأوروبي ”مع استراتيجية الاستقطاب التي يتبعها لا أتصور حصوله على 50 في المئة من الأصوات زائد صوت واحد. لا أتوقع أن يتغلب عليه أحد في الجولة الأولى لكنني لا أرى سبيلا لفوزه في الجولة الثانية.“

وإذا تراجعت نسبة التأييد لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية فقد يلجأ إلى خيار آخر يتمثل في أن يطلب من الحزب تعديل اللائحة والسماح له بالترشح لرئاسة الحكومة فترة رابعة. وسيبدو هذا تغييرا حقيقيا في منظومة العمل القائمة لكن الدبلوماسي الأوروبي أشار الى أن بمقدور إردوغان أن يجري مثل هذا التغيير دون مقاومة كبيرة.

وأضاف ”لا يستحيل عليه أن يحتج عليهم بأنهم يحتاجون إلى رئيس وزراء قوي لمحاربة الدولة الموازية.“

ويتردد حتى أعداء إردوغان في توقع زواله الوشيك لكنهم يقولون إنه بدأ الانحدار على سفح نهايته.

وقال فاروق لوجوغلو وهو نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري وسفير سابق لدى الولايات المتحدة ”تعرض رئيس الوزراء في الماضي لصعوبات أقل لكنها مماثلة. وقد اجتاز تلك الصعوبات بل وخرج منها دائما منتصرا. لكن هذه المرة أعتقد أن المشكلة كبيرة للغاية بحيث لا يستطيع حتى هو معالجتها.“

من سامية نخول ونيك تاترسال

إعداد أمل أبو السعود وعمر خليل للنشرة العربية

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below