13 آذار مارس 2014 / 13:02 / بعد 4 أعوام

كيف سلم الانفصاليون شبه جزيرة القرم لموسكو على طبق من ذهب

سيمفروبول (أوكرانيا) (رويترز) - لم يكد يمضي أسبوع على احتلال مسلحين لمقر برلمان شبه جزيرة القرم في الشهر الماضي حتى كان البرلمان نفسه يجري تصويتا على انضمام هذا الاقليم الاوكراني لروسيا.

مسلحون يعتقد انهم من الجيش الروس امام قاعدة عسكرية اوكرانية في القرم يوم الخميس - رويترز

ويقول عدد من أعضاء البرلمان المعارضين إن ذلك تحقق تحت قيادة سيرجي اكسيونوف (41 عاما) وهو مؤيد لروسيا فاز حزبه بأربعة في المئة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية عام 2010 بفضل أساليب تمثل قمة الإبداع في تزوير الاصوات والتخويف.

وقال البرلماني المعارض ليونيد بيلونسكي ”كان ذلك كله مشهدا هائلا.. مشهدا مأساويا.“

وبيلونسكي من ضمن أعضاء برلمان الاقليم الذين يقولون إنه تم تحديد تصويت مغلق لتعيين اكسيونوف واتخاذ قرارات رئيسية قبل أن يتمكن أحد من التحرك.

وتقول موسكو إن شبه جزيرة القرم تشهد انتفاضة داخلية ردا على الانتفاضة التي شهدتها كييف وأدت إلى الإطاحة بالرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش المدعوم من روسيا.

إلا أن سرعة تطور الأحداث تمثل للسلطات في كييف والساسة المحليين في القرم الذين مازالوا موالين لأوكرانيا دليلا على حملة منظمة تنظيما دقيقا من موسكو.

وتنفي موسكو أن لها أي دور في تعيين اكسيونوف المعروف باسم ”العفريت“. لكن حتى المقربين من الكرملين يقولون إن روسيا اختارته.

وقال سيرجي ماركوف المحلل السياسي المتعاطف مع الكرملين وكثيرا ما يفسر تحركات الكرملين في الخارج “موسكو كانت تراهن دائما على يانوكوفيتش. لكن بعد الانقلاب في كييف يوم 22 فبراير... قررت موسكو أنها تحتاج لدعم الحركة الانفصالية في القرم من أوكرانيا. ثم بحثوا فيمن يمكن أن يصبح زعيمها.

”ووقع اختيارهم على اكسيونوف.“

ودخل العفريت

في 26 فبراير شباط اليوم السابق على الاستيلاء على القرم اجتمع برلمان الاقليم لبحث اجراء استفتاء على تخفيف الروابط مع أوكرانيا. وكان الجو متقلبا.

وخلال الايام الاربعة التي انقضت منذ هرب يانوكوفيتش من كييف كانت جماعات مؤيدة لروسيا تعمل على جمع متطوعين لميليشيات الدفاع الذاتي وساهم في حفزها على ذلك تقارير تلفزيونية روسية أن مسلحين من القوميين الاوكرانيين سيهبطون من العاصمة على الاقليم.

وبينما كان أعضاء برلمان القرم مجتمعين اشتبك الاف المتظاهرين المؤيدين لروسيا خارج المبنى مع محتجين يؤيدون الوحدة مع كييف.

ولم يجر التصويت على الاستفتاء في ذلك اليوم فلم يكن عدد النواب كافيا لاكتمال النصاب القانوني بعد أن رفض بيلونسكي ونائب آخر من المعارضة تسجيل أنفسهم ضمن الحاضرين.

وقال بيلونسكي ”توسلوا إلينا وناشدونا بل وهددونا.“

وقبل فجر اليوم التالي استولى مسلحون على المبنى ولم يسمح للصحفيين منذ ذلك الوقت بالحضور ولم يكن من الممكن التأكد مما إذا كان النصاب قد اكتمل. وصودرت هواتف النواب عند دخولهم.

وكان اناتولي موجيليوف رئيس وزراء القرم الذي عينه يانوكوفيتش ممن لم يسمح لهم بالدخول.

وكان موجيليوف طالب بعدم الانفصال عن كييف. كذلك فإن حزبه الحاكم - الذي كان يتزعمه يانوكوفيتش وكان له 80 مقعدا من بين 100 مقعد في البرلمان - كان موقفه المعلن الالتزام بالحكم الذاتي في إطار أوكرانيا.

ومع ذلك قال موقع البرلمان على الانترنت في تلك الليلة إن 53 نائبا صوتوا بالموافقة على عزل موجيليوف وتعيين اكسيونوف بدلا منه وإن 61 نائبا وافقوا على إجراء استفتاء على سيادة الاقليم.

وسئل ديمتري بولونسكي وزير الاعلام في إقليم القرم عما إذا كان تعيين القيادات الجديدة في البرلمان قد تم بالتزوير فقال ”هناك سلطة عظمى واحدة في القرم وهي برلمانه وهذا مشروع وقانوني بأغلبية الأصوات.“

وأضاف ”من المستحيل تزوير صوت في السوفيت الأعلى (البرلمان). فهناك نواب يضغطون على أزرار أو يرفعون أيديهم وإذا كانت الأغلبية صوتت بالموافقة فإن القضية محلولة. ما من وسائل للتأثير في التصويت أو تزويره.“

ولم يرد أكسيونوف على الفور على محاولات الاتصال به.

كما يقول الكرملين إن التصويت على تعيين اكسيونوف اتبع كل الاجراءات القانونية في القرم لكن لم يسمح لاي صحفي مستقل بحضوره. وقال نائب واحد على الاقل من الحزب الحاكم لرويترز إن صوته مسجل بالموافقة على اكسيونوف لكنه كان في واقع الأمر خارج المدينة كلها وليس المبنى وحده فقط.

وقال النائب مشترطا عدم نشر اسمه ”لم أكن حتى في سيمفروبول لكن صوتي احتسب.“ وأضاف أنه تلقى تهديدات عبر مكالمات هاتفية ورسائل نصية.

وقال إنه تم أخذ بطاقات تصويت من خزانة البرلمان للسماح بالتصويت باسم نواب غائبين. وأضاف أنه على علم بعشرة أصوات على الأقل مسجلة على أن أصحابها أدلوا بها بينما لم يكن أي منهم في الواقع في البرلمان وإنهم لم يفصحوا عن ذلك لخوفهم من تعرضهم لعمليات انتقامية.

وتابع ”دعني أشرح لك كيف روعوا الناس. بعد تلفيق التصويت الأول قالوا لنا إنهم سيبدأون تحقيقا جنائيا مع أي شخص يتحدث (عما حدث). من أصبحوا في السلطة الان ليسوا ساسة حقا بل رجال أعمال. من السهولة بمكان الضغط عليهم. فما قد يخسرونه كثير.“

النجاة بالنفس

القرم هي الجزء الوحيد من أوكرانيا الذي توجد فيه أغلبية عرقية روسية وشهدت فترة التسعينات هياجا متكررا للمطالبة باستقلاله خاصة في الفترات التي شهدت توترا في العلاقات بين كييف وموسكو. وحملت واشنطن وكييف روسيا مسؤولية إثارة هذه النعرات.

وفي برقية ترجع إلى العام 2006 نشرها موقع ويكيليكس كتبت السفارة الأمريكية تقريرا لواشنطن قالت فيه إن عملاء تابعين لموسكو نشطوا من جديد بعد الثورة البرتقالية عامي 2004 و2005 التي دفعت بساسة مناهضين لروسيا إلى مقاعد السلطة في كييف.

ومن بين كل الجماعات المؤيدة لروسيا في القرم حددت البرقية الجمعية الروسية للقرم باعتبارها الجماعة ”ذات أوضح اتصالات مع موسكو“. وذكرت البرقية أن زعيمها سيرجي تسيكوف هو نائب رئيس برلمان القرم حاليا واحد المساعدين الرئيسيين لاكسيونوف.

وفي عام 2010 قاد اكسيونوف الجناح السياسي للجمعية الروسية التي ينتمي لها تسيكوف وهو حزب اسمه الوحدة الروسية في الانتخابات البرلمانية وفاز الحزب بثلاثة مقاعد تمثل أربعة في المئة من مجموع الاصوات.

وقال اندريه سنشينكو وهو عضو معارض في برلمان كييف من منطقة القرم ”بالرغم من كل التمويل والمساعدة من موسكو لم يتمكن حزبه من تحقيق نتيجة أفضل في الانتخابات لان هذه التيارات في المجتمع القرمي ليست بتلك القوة.“

ويقول حزب الوحدة الروسية والجمعية الروسية على موقعهما على الانترنت بكل صراحة أن هدفهما إعادة توحيد الاقليم مع موسكو ويؤكدان أن ”مستقبل القرم وأوكرانيا هو الوحدة مع روسيا.“

وكانت آخر مرة طرح فيها السؤال على ناخبي القرم عن الحكم الروسي عام 1991 عندما صوتوا بالموافقة بفارق ضئيل على الاستقلال مع بقية أوكرانيا. ورغم توترات التسعينات أصبح دعم الانفصال عن روسيا أو الانضمام لها قضية هامشية ما دام يانوكوفيتش المتعاطف يتولى السلطة في كييف.

لكن حين بدت قبضة يانوكوفيتش أقل قوة كان ثمة شواهد على أن الكرملين يسعى للحصول على مزيد من النفوذ في القرم.

وفي أوائل فبراير شباط ذكرت وسائل اعلام في القرم أن فلاديسلاف سوركوف أحد أقرب المساعدين المقربين من بوتين زار القرم.

وما أن سقط يانوكوفيتش حتى أيد نواب في كييف من حزب الرئيس المخلوع الحكومة الجديدة التي حلت محله. لكن في القرم أيد بعض أعضاء الحزب اكسيونوف. ومن العوامل الحاسمة فوزه بتأييد فلاديمير كونستانتينوف رئيس برلمان القرم.

وأتاح ذلك السيطرة على الأصوات لاجراء تصويت مغلق داخل مبنى البرلمان الخاضع لحراسة مسلحين.

وقال بيلونسكي نائب المعارضة في القرم إن شخصيات من الحزب الحاكم في الإقليم حولت ولاءها إلى موسكو لحماية أنفسها من احتمال التعرض للمساءلة من جانب السلطات الجديدة في كييف حول السنوات التي أمضتها في دوائر السلطة.

وتحمل شخصيات من حزب الرئيس المخلوع الحكومة الجديدة في كييف مسؤولية الفشل في التفاوض بسرعة كافية للحيلولة دون انفصال الاقليم.

وقال فاديم كولسنيشنكو النائب عن الحزب عن إقليم القرم في برلمان أوكرانيا ”في البداية كانت المسألة تخص توسيع الحكم الذاتي للقرم في إطار أوكرانيا. وعندما بدأت كييف تحقيقات جنائية (تستهدف زعماء القرم الجدد) بدلا من إجراء محادثات معهم...اتضح إلى أي مدى يمكننا أن نعيش في عزلة.“

ومع استيلاء اكسيونوف على السلطة تم نقل نواب روس إلى القرم ووعدوا بالدعم المالي والتأييد من موسكو.

الاستفتاء

بعد أسبوع فحسب من رفع مسلحين العلم الروسي على البرلمان المحلي أجرى اكسيونوف وحلفاؤه تصويتا آخر وأعلن أن البرلمان يناشد بوتين ضم القرم. وتم تقديم موعد الاستفتاء إلى 16 مارس اذار وسيطلب من الناخبين الإجابة عن سؤال عما إذا كانوا يريدون الانضمام لروسيا.

وقال عدد من أعضاء البرلمان إنهم لم يكونوا حاضرين وقت التصويت. ولم يكن أحد من الصحفيين حاضرا. أما النواب الذين حضروا فلم يتم إبلاغهم مسبقا بما سيتم التصويت عليه.

وفي لقطات فيديو قدمها مكتب الخدمات الصحفية التابع للحكومة الإقليمية ظهر رئيس البرلمان كونستانتينوف وهو يتحدث أمام نحو عشرة نواب جالسين في صفين أماميين شبه مهجورين.

وقال ”سنصوت على قرار بشأن الانضمام لروسيا الاتحادية وعليهم أن يقرروا قبل الاستفتاء إذا كانوا سيقبلوننا حتى لا يظهر أهلنا كأغبياء بالتصويت لروسيا.“

وأعل القرار خارج البرلمان أمام حشد يهتف ”روسيا روسيا“ ويلوح بأعلامها. وقال البرلمان إن 78 نائبا أيدوا القرار.

وفي ذلك اليوم تبنى البرلمان الروسي أيضا قرارا بتسهيل ضم أراضي دولة أجنبية.

ولا يوجد شك يذكر في نتيجة الاستفتاء. فلوحات الاعلانات تطالب الناخبين في القرم بالاختيار بين خريطة للقرم بألوان العلم الروسي أو مرسوم عليها صليب معقوف وهو شعار النازية.

وسيختار الناخبون بين ضم القرم لروسيا أو إعادة دستور سابق سيعلن الاقليم جزءا يتمتع بالسيادة من أوكرانيا. وقال البرلمان المحلي أنه إذا كانت نتيجة التصويت الموافقة على السيادة فإن القرم ستنضم لروسيا على أي حال.

ومن المتوقع على نطاق واسع أن يمتنع من يؤيدون استمرار العلاقات مع كييف ومنهم 250 ألفا من تتار القرم الذين يخشون أن الحكم الروسي إذ أن روسيا قامت بتهجيرهم بأعداد غفيرة إلى أوزبكستان في عهد ستالين.

من اليسا دو كاربونل

إعداد منير البويطي للنشرة العربية - تحرير سيف الدين حمدان

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below