28 آذار مارس 2014 / 15:24 / منذ 3 أعوام

تحقيق- مدينة صناعية تحمل مفتاح مستقبل أوكرانيا

دونتسك (أوكرانيا) (رويترز) - يتطلع لينين من عل إلى مدينة دونتسك بوجه جامد وبعينين رماديتين فولاذيتين متحجرتين.. لكن بعد مرور قرن على ثورته يظهر زبد الاضطراب في هذه المدينة الأوكرانية الصناعية التي يمتزج فيها الفقر بالثراء.

المدينة ممزقة بين ماض سوفيتي وحاضر يعكره الفساد ومستقبل في مكان ما بين روسيا والغرب.

وأسفل تمثاله القابع بميدان لينين يتحسر البعض على سقوط أحد أبناء المدينة من برج الرئاسة.. إنه فيكتور يانوكوفيتش. ويأمل بعضهم أن تفعل روسيا بمنطقة دونباس ما فعلته في القرم... إعلان سيادة موسكو على الأراضي الحدودية التي يتحدث أبناؤها بالروسية ورفع معاشات التقاعد والأجور وإعادتها إلى الفلك السوفيتي.

لكن الزعيم البلشفي يغطيه ظل برج زجاجي جديد يدير منه أغنى رجل في أوكرانيا وهو رينات أحمدوف إمبراطورية تجارية حجمها 12 مليار دولار ويتدبر خطوته القادمة بعد الإطاحة بحليفة السابق يانوكوفيتش من رئاسة بلد يصنف على أنه أكثر بلدان أوروبا فسادا.

الكلمات المنحوتة على قاعدة التمثال تشيد بدور المنطقة في ”بناء الاشتراكية“. لكن بطول الطريق الرئيسي بالمدينة تزأر السيارات الرباعية الدفع وهي تمر مسرعة أمام متاجر السلع الفاخرة ومتسول قد يظهر هنا أو هناك في الطريق الواصل بين مصانع الصلب القديمة والاستاد المتطور الذي يخوض على ملعبه فريق شاختار مبارياته والذي جمع أحمدوف لاعبيه من أكثر من دولة.

ويكيل كثيرون من أبناء المدينة التي يقل متوسط الأجر الشهري فيها عن 400 دولار لعناتهم عليه وعلى أمثاله ويصفونهم بأنهم طفيليات تسلك طرقا ملتوية.

ورغم هذا قال دبلوماسي غربي إن أحمدوف ”يتمتع بشعبية أكبر مما نتخيل.“ ووصفه وزير خارجية ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير بأنه رجل ”كلمته لها وزن هنا“ وقال بعد اجتماع جمع بينهما الأسبوع الماضي إنه سيساعد على القضاء على دعوات الانفصال وسيدعم الإصلاحات الليبرالية.

وبعد 23 عاما على استقلال أوكرانيا ما من مكان يجمع بين التناقضات وامتزاج المال بالسياسة والفساد بالديمقراطية والروابط بروسيا والغرب وتاريخ تميزه المنافسات الإقليمية واللغوية أكثر من هذه المدينة التي يقطنها مليون نسمة والمنطقة المحيطة بها التي تضم مواطنا أوكرانيا من بين كل عشرة سكان والتي تنتج خمس إنتاج البلاد الصناعي.

وكيفية رد فعل دونتسك ومنطقة حوض دون الأوسع إزاء انهيار قبضة يانوكوفيتش على السلطة وسفره إلى روسيا هربا من المحتجين المؤيدين للغرب في كييف الواقعة على مسافة بعيدة ستساعد على معرفة ما إن كانت الدولة الأوكرانية ستظل متماسكة وما إذا كانت ستوفر في النهاية لمعظم أبنائها الرخاء وحكم القانون.

وربما تؤكد انتخابات مقررة يوم 25 مايو آيار لاختيار بديل ليانوكوفيتش -ويفترض أن يتم الإعلان عن كل المرشحين الأسبوع القادم- أن أوكرانيا تسير على الدرب الذي رسمته حكومتها المؤقتة والمتمثل في إقامة روابط مع الاتحاد الأوروبي وتنفيذ إصلاحات صندوق النقد الدولي بعد سقوط زعيمها لعزوفه عن إبرام اتفاق مع الاتحاد الأوروبي مفضلا الاعتماد على المساعدات الروسية.

تأسست دونتسك في القرن التاسع عشر على يدي مهندس من ويلز يدعى هيوز سماها يوزوفكا وهي الترجمة الأوكرانية لاسمه. ومع مضي المدينة في عصر التصنيع خلال العهد السوفيتي تغير اسمها إلى ستالينو. واليوم.. ربما تحدد دونتسك شكل المرحلة القادمة من خروج أوكرانيا البطيء من الحكم الشمولي إلى المساحة الممتدة بين روسيا والاتحاد الأوروبي.

* تناقض وتعارض

في ميدان لينين تمتزج الأعلام الروسية بألوانها الأبيض والأحمر والأزرق بالأعلام السوفيتية الحمراء وتتضارب المشاعر التي أطلقتها أحداث الشهر الماضي الدامية في العاصمة.

يندد تجمع احتجاجي بخفض الرواتب وسلطة القلة التي حققت ثراء خلال السنوات الضبابية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 ويدعو الجمع لعودة الرئيس المعزول. غير أن حملة يانوكوفيتش الانتخابية عام 2010 وجدت تمويلا من أحمدوف وشهدت سنوات حكم الرئيس الأربع ركودا بينما أصبحت أسرته -حسبما يتردد- من أثرى أثرياء أوكرانيا.

قالت فالنتينا بيتروفنا وهي من أرباب المعاشات مبررة تأييدها للزعيم المعزول ”لم يكن أسوأهم.“ كانت ضمن حشد 3000 شخص في ميدان لينين في مطلع الأسبوع.

أعربت عن غضبها من أن ثراء أسرة يانوكوفيتش باتت مضغة تلوكها الأفواه وقالت إن الساسة الآخرين يجب أن يلقوا نفس المعاملة واختصت بالذكر يوليا تيموشينكو خصم يانوكوفيتش اللدود ومرشحين آخرين للرئاسة ينعمون برغد العيش.

وحين سئلت عما إذا كانت تفضل زعيما ليس من أبناء الحظوة قالت ”لابد من وجود المال للترشح للرئاسة.“

أما ألكسندر يوكالوف وهو نشط في مجال الحقوق المدنية فقال إن الغضب يعتمل في الشوارع ليعكس مزيدا من الإحباطات بين طوائف الشعب المختلفة إما بسبب مستويات المعيشة أو ما يبدو من جمود في السياسة في كييف أو الفساد المستشري بعد انتهاء الحقبة السوفيتية قبل عقدين.

وبعد مرور أربعة أعوام على انتصاره على تيموشينكو في انتخابات الرئاسة لأسباب منها شعبيته الجارفة في الشرق بات تأييده قاصرا على قلة قليلة حتى في دونتسك التي كان حاكما لها ذات يوم. وأظهر استطلاع نشرت نتائجه أوائل هذا الشهر أن ثلثي سكان شرق أوكرانيا يوافقون على إزاحته عن السلطة.

لكن إن كان سقوطه لم يجد حسرة كبيرة في النفوس فإن ما أعقب عزله على أيدي حركة احتجاجية قادها قوميون متشددون اشتبكوا مع قوات الأمن أظهر بقوة الانقسامات بين شرق أوكرانيا وغربها.

قال ألبرت وهو شرطي سابق في دونتسك يدير الآن شركة سياحة صغيرة ”كلنا ضد يانوكوفيتش... كان وبالا علينا. لكن الفاشيين ومن يعيشون في الغرب استغلوا الموقف وهم الآن يتربصون بنا.“

ساهم هذا التخوف الذي عززته تغطية التلفزيون الروسي الرسمي الذي يحظى بنسبة مشاهدة عالية في تأييد أبناء القرم لضم المنطقة الذي أعلنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأثار دعوات في الشرق لأن توفر موسكو حماية ضد التحركات التي تستهدف النيل من اللغة الروسية وباتجاه التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي.

وقالت سيدة ترتدي سترة إيطالية وردية اللون وهي تحرك لافتة تأييد ليانوكوفيتش وتحمل قدحا من القهوة ”الأمريكيون دفعوا للفاشيين.“

أضافت ”الناس في كييف يريدون أموالنا وحسب ولا يريدون أن يعملوا.“

وأظهر استطلاع للرأي أن ما يزيد عن نصف أبناء الشرق يرون أن الحكومة في كييف غير شرعية مقارنة مع عشرة في المئة في الغرب.

* دعوات الانفصال تتوقف

قبل شهر سيطر انفصاليون على مكتب حاكم دونتسك لفترة وجيزة ورفعوا علم روسيا عليه. وأيد برلمان المنطقة إجراء استفتاء على الحكم الذاتي على غرار استفتاء القرم.

وخلال اشتباك مع محتجين مناهضين لكييف في ميدان لينين قبل أسبوعين قتل واحد من الأوكرانيين القوميين طعنا. لكن التوتر هدأ منذ ذلك الحين رغم تحذيرات دول غربية من احتشاد قوات روسية على الحدود الشرقية لأوكرانيا. وتنفي موسكو أنها تطمح للسيطرة على أراض وراء القرم.

وجاء سيرهي تاروتا قطب قطاع الصلب ليتولى منصب حاكم المنطقة ويزيح المتعاطفين مع الانفصاليين عن المناصب الكبرى في الشرطة والأجهزة الأخرى ويشدد القيود على الحدود لمنع عبور النشطاء السياسيين المؤيدين لموسكو.

وأكدت حكومة كييف المدعومة من الغرب على الحق في استخدام الروسية في الاتصالات الرسمية مما قد يخفف من قلق سكان الشرق الذين تعتبر الروسية اللغة الأولى لمعظمهم حتى بين الأغلبية الأوكرانية التي تمثل 57 في المئة من أبناء المنطقة.

وعلى النقيض مما عليه الحال في القرم حيث الحماسة البالغة للحصول على الجنسية الروسية.. تعبر قلة قليلة في دونتسك عن رغبة قوية في الخضوع لحكم موسكو. ويريد السكان كلمة أكبر في الشؤون الداخلية وبخاصة الآن بعدما لم يعد للدائرة المقربة من يانوكوفيتش في مدينتهم سلطة في كييف.

وأسفل تمثال لينين قال دنيس ألكسندروفيتش وهو معلم روسية عمره 37 عاما “لا نبغي أن نكون مثل القرم لكننا نريد قدرا كبيرا من الحكم الذاتي. أحب روسيا وأسرتي تقيم في روسيا لكني أريد أن أعيش في أوكرانيا.

”هنا توجد مقابر أجدادي.“

من ألستير ماكدونالد

إعداد أمل أبو السعود للنشرة العربية - تحرير أحمد حسن

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below