17 نيسان أبريل 2014 / 13:52 / منذ 3 أعوام

تحقيق-القرم تسير على طريق وعر لكي تصبح اقليما روسيا

رجلان يصطادان في بلدة يالتا بشبه جزيرة القرم يوم 12 ابريل نيسان 2014. تصوير. مكسيم شيميتوف - رويترز

سيمفروبول (القرم) (رويترز) - مازال صدى صوت أحد أولياء الأمور يتردد في أذني ناتاليا رودينكو وهو يصيح فيها مطالبا أن تتحول المدرسة التي تديرها منذ 17 عاما في عاصمة القرم وتقوم بتدريس موادها باللغة الأوكرانية إلى التدريس بالروسية حين أتى مسؤولون محليون إلى مكتبها لفصلها.

كانوا يحملون رسالة مفادها: مهمة رودينكو ومدرستها التي تتمثل في إرسال الطلاب إلى الجامعات الأوكرانية لم يعد لها مكان في مجتمع أيد الشهر الماضي الانفصال عن أوكرانيا والانضمام إلى روسيا بعد أن نشرت موسكو قوات في شبه الجزيرة المطلة على البحر الأسود.

وتجمع عاملون وأولياء أمور في مكتبها وقد اعترتهم الصدمة وحمل بعضهم باقات الزهور. غالبت المربية الوقورة البالغة من العمر 62 عاما مشاعرها وقالت "بنيت هذه المدرسة من العدم."

كانت إقالة رودينكو جزءا من إعادة هيكلة ضخمة يديرها الكرملين في أعقاب ضم القرم لتحويل المنطقة الأوكرانية التي يقطنها نحو مليوني نسمة إلى أرض روسية يسكنها روس.

إنها مهمة هائلة يسعى الزعماء المؤيدون لروسيا لإنجازها بقدر من التعجل خلال "فترة انتقالية" تستمر حتى الأول من يناير كانون الثاني 2015.

وتضمنت الخطوات المبكرة وضع اليد على كل أصول الدولة الأوكرانية في القرم تقريبا من شركات طاقة إلى موانيء ومتاحف ومصانع وتأميمها كأصول روسية.

وتسود حالة من التشوش في القرم منذ ضمها الرئيس فلاديمير بوتين لروسيا رسميا في 21 مارس آذار. فالمحاكم تعاني شللا وشبكة البنوك في حالة فوضى مع انسحاب البنوك الأوكرانية وبنوك غربية وتقطعت أواصر العمل مع البر الرئيسي.

وبدأت سيارات شرطة روسية جاءت من مناطق نائية تجوب طرق المنطقة التي تصطف الأشجار المزهرة على جانبيها.. وإن لم يعرف أي ولاية قانونية تعمل الشرطة في ظلها.

قال سيرجي فومينيخ وهو شريك في مكتب قانوني محلي كل قضاياه معلقة إلى حين اتضاح الرؤية فيما يخص النظام القضائي الجديد "القانون الأوكراني لم يعد يطبق والقانون الروسي لم يبدأ سريانه بعد."

وعلى شاشة عرض في سيمفروبول عاصمة القرم تعلن شركة روسية عن خدمات لتعريف المؤسسات بكيفية ممارسة الأعمال في روسيا.

ومدرسة رودينكو هي أكبر مدرسة من بين ست فقط تقوم بالتدريس باللغة الأوكرانية في القرم. وكانت ناتاشا ملنيتشوك من ضمن أولياء الأمور الكثر الذين يريدون تعليم أبنائهم وفقا للمناهج الروسية.. إذ يتطلعون لبناء مستقبل أولادهم في موسكو لا كييف.

وقالت أم تبلغ من العمر 39 عاما ولديها ولدان "لم يكن لدينا خيار لكن الأمور آلت إلى ما هي عليه الآن."

وأضافت الأم التي لم تكن ترغب في انفصال المنطقة "لا معنى لمواصلة تعليمهم بالأوكرانية إن كانوا سيذهبون لجامعات روسية."

* "مئات القوانين"

كانت القرم جزءا من الدولة الأوكرانية على مدى 23 عاما منذ انهيار الاتحاد السوفيتي إلى أن أجري في الشهر الماضي استفتاء وصفه الكرملين والغرب بأنه مخالف للقانون.

وفرض ذلك التصويت وإعلان الكرملين بعده بأيام أن القرم أصبحت جزءا من الأراضي الروسية واقعا سياسيا جديدا جعل موظفي الكرملين يعملون ضعف الوقت لجعله دائما.

وأقر مشرعو القرم يوم الجمعة دستورا جديدا يتصدر "مئات القوانين" قال رئيس البرلمان فلاديمير قسطنطينوف إنه سيتم إقرارها هذا العام.

وقال قسطنطينوف أمام النواب الذين حصل بعضهم على جوازات سفر روسية قبل ذلك بيومين "مر 43 يوما فقط لكننا... دخلنا مرحلة جديدة في تاريخ القرم."

وأخرجت روسيا أيضا دفاتر شيكاتها لتمويل القرم إذ خصصت لها سبعة مليارات دولار في عام 2014 وحده وتعهدت باستثمارات أخرى بمليارات الدولارات في كافة المجالات بدءا من رفع المعاشات وانتهاء بإقامة جسر يربط المنطقة بروسيا.

وقال رستم تميرجالييف النائب الأول لرئيس وزراء القرم لرويترز "مع مستوى الاستثمار المرتفع الذي نتوقعه سيكون هناك اكتفاء ذاتي على الجانب الاقتصادي. لا نريد أن نظل للأبد عالة اقتصادية."

وفي سيمفروبول تمتليء كل فنادق المدينة البالغ عددها نحو 15 فندقا برجال متأنقين بعضهم موظفون روس وبعضهم مستثمرون جاءوا من روسيا والبعض رجال أعمال توافدوا من مختلف أرجاء شبه الجزيرة للتواصل مع السلطات الجديدة.

وبوجه عام يعتقد الناس أن الحياة ستكون أفضل في ظل الحكم الروسي لكن بعض رجال الأعمال تضرروا بقوة من الاضطرابات السياسية.

قال مدير أحد مزارع الكروم التي تكسو التلال المطلة على ساحل القرم "عمل؟ أي عمل؟ العمل يحتضر. القواعد تتغير كل يوم. هذا محال." وطلب عدم نشر اسمه لأن السلطات أممت شركته.

وتوقف الإنتاج تماما في شركة زاليف لبناء السفن.. إحدى أكبر شركات القطاع الخاص. وأوقف عملاء في النرويج وهولندا مفاوضات بشأن عقد جديد في الخريف الماضي بسبب الاحتجاجات في كييف.

وقالت مارينا رومانيكا المتحدثة باسم الشركة "نحن شركة تعتمد على التصدير بنسبة مئة في المئة. لا نعرف ما ينتظرنا."

وتجاهد الشركات لتقليل أثر انفصالها المفاجيء عن الأسواق والإمدادات بالبر الرئيسي.

ولا تزال الحركة التجارية بين القرم وأوكرانيا تتدفق لنقل إمدادات الماء والغاز والكهرباء وغيرها لكن قادة قطاع الأعمال لا يتوقعون استمرارها.

قال ألكسندر باتالين رئيس شركة فيولنت التي تورد 90 في المئة من أدوات الطاقة إلى أوكرانيا "لابد أن نغير كل اللوجيستيات. رد فعل أوكرانيا لا يمكن التنبؤ به. ونحن نعيد توجيه كل شيء من خلال روسيا."

وتعد الشركة التي يقع مقرها في سيمفروبول لاعبا رئيسيا في الاقتصاد المحلي إذ يعمل بها 1800 موظف ويبلغ حجم إيراداتها حوالي مليار روبل (28 مليون دولار).

ومستقبل الشركة غير واضح. ويقول باتالين إنه لا يعرف من الذي سيسيطر على الشركة التي كانت الدولة الأوكرانية تستحوذ على أكثر من نصفها.

لكنه يتوقع مثل كثير من رجال الأعمال المؤيدين لروسيا دخول الأسواق الروسية بشكل أكبر وأن يعوض الاستثمار الروسي الخسارة المحتملة في المبيعات لأوكرانيا التي تستحوذ على 35 في المئة من إجمالي صادرات الشركة.

وقال لرويترز "ندخل شيئا فشيئا إلى سلاسل التجزئة في روسيا التي كانت مغلقة أمامنا من قبل وذلك بفضل الصحوة الحماسية والوطنية هناك لمساعدة القرم."

* إما البقاء في روسيا وإما الرحيل

يأمل أغلب سكان القرم التي كانت يوما وجهة سياحية لأبناء الصفوة أيام الإمبراطورية الروسية ومن بعدها الاتحاد السوفيتي أن يؤدي الاندماج مع روسيا لانتعاش الاقتصاد وينهض بمنتجعاته التي تهاوت بمرور الزمن.

قال يوري ماليشتشيف (49 عاما) الموظف بمخيم آرتيك لعطلات الأطفال الذي أممه زعماء القرم المدعومون من الكرملين "لا وجه للمقارنة بين روسيا وأوكرانيا من حيث الثروة المالية والحكم. نحن الفائزون بالقطع."

أضاف "أتقاضى 2000 هريفنا (160 دولارا) شهريا وآمل أن يزيد ذلك لأربعة أمثاله الآن."

وفي أوج سطوعه بلغ المخيم المطل على البحر درجة من التقدم دفعت البعض لتصوير أفلام الخيال العلمي فيه خلال العهد السوفيتي.

أما اليوم فمعظم أجزائه بحاجة لترميم. وتخرج النبتات الشيطانية من شقوق الأسمنت في مسبح ضخم خاو ويطغى تمثال لينين الذي غطته العبارات المكتوبة على المشهد الذي تصطف أشجار السرو على جوانبه.

والمكان يخلو من الأطفال منذ تفجرت الاضطرابات السياسية قبل أربعة أشهر ويبدو المخيم الآن مهجورا. ويئن المكان تحت وطأة متأخرات رواتب 1700 موظف تراكمت خلال الشهرين الأخيرين لتصل إلى 17.5 مليون روبل (490 ألف دولار).

ومسألة البقاء هنا أم الرحيل خيار صعب بالنسبة لكثيرين ممن يشعرون بأن تاريخهم ومشاعرهم منقسمة بين القرم وأوكرانيا.

قالت أنيا فوزنايا (21 عاما) التي تدرس في فرع محلي من كلية كييف للتربية في آرتك "عشت حالة فظيعة من التوتر في الأشهر الأخيرة."

نشأت فوزنايا في مدينة خملنيتسكي بوسط أوكرانيا ونقل والدها الضابط المتقاعد بالجيش الأوكراني إلى شبه جزيرة القرم قبل أربع سنوات.

قالت "حصل أبواي على جوازي سفر روسيين وسأحصل أنا أيضا على واحد في الأرجح. لكن الخيار صعب: أبقى أم أرحل."

(الدولار = 35.9237 روبل روسي)

من أليسا دي كاربونيل

إعداد أمل أبو السعود للنشرة العربية - تحرير منير البويطي

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below