19 حزيران يونيو 2015 / 17:59 / بعد عامين

الفساد يعرقل محاولة النيجر قطع طريق الهجرة إلى أوروبا

بلدة اجاديز في النيجر يوم 24 مايو ايار 2015 - رويترز

أجاديز (النيجر) (رويترز) - في مدينة أجاديس الصحراوية بوسط النيجر يمكن لأي شخص تقريبا أن يرشد المرء على أماكن إخفاء المهربين للمهاجرين الأفارقة الحالمين بالوصول إلى أوروبا وأن يبلغه أيضا عن موعد مغادرة القافلة الأسبوعية عبر الصحراء.

بإمكان أي شخص تقريبا القيام بذلك باستثناء رجال الشرطة.

عند نقطة تفتيش على مشارف المدينة يغض ضباط الشرطة الطرف عن عشرات من شاحنات المهربين المحملة بالمهاجرين التي تمر عند حلول الظلام ضمن قافلة عادية يوم الاثنين لتبدأ رحلة بالعربات تستمر ثلاثة أيام عبر الصحراء إلى ليبيا.

قال أحد رجال الشرطة وهو يشير بشكل مبهم إلى الظلام ”لا يمكننا أن نوقف شاحنات المهاجرين فهم لا يمرون من هنا... يذهبون من حولنا بعيدا في الصحراء.“

بمجرد أن تمر شاحنتان للمهاجرين يظهر رجل يرتدي عمامة استأجره المهرب ليدفع الأموال للشرطة ويعود إلى دراجته ويبتعد بعد أن انجز مهمته.

وخلص تقرير حكومي سري عن الهجرة غير الشرعية في أجاديز اطلعت عليه رويترز إلى أن الفساد متأصل بدرجة تجعل معالجة تهريب المهاجرين تتطلب تغيير كل المسؤولين العسكريين والأمنيين تقريبا.

تقول منظمة الهجرة الدولية إن 100 ألف مهاجر من المتوقع أن يعبروا حدود النيجر هذا العام للوصول إلى ليبيا مستغلين الفوضى التي تمر بها هذه الدولة والتي منحت المهربين بابا مفتوحا إلى أوروبا.

ويرى الاتحاد الأوروبي أن ما يزيد قليلا عن نصف المهاجرين الذين يصلون إلى إيطاليا يسافرون أولا عبر النيجر. ويتزايد قلق الاتحاد الأوروبي بسبب تدفق الناس في قوارب متهالكة من شواطئ ليبيا.

وغرق أكثر من 1800 مهاجر في البحر المتوسط هذا العام فقط وتتوقع أوروبا أن تتحرك النيجر للحد من الهجرة.

وأقرت حكومة رئيس النيجر مامادو إيسوفو قانونا مشددا لمكافحة تهريب المهاجرين الشهر الماضي ينص على أحكام بالسجن تصل إلى 30 عاما للمهربين وقالت إنها محاولة لحماية الشبان الأفارقة.

ولا يقتصر الأمر على استغلال المهربين للمهاجرين الذين يسقطون ضحية للعمل القسري أو البغاء لكن يموت عدد كبير منهم في الصحراء عندما تتعطل العربات التي تقلهم أو يتخلى عنهم المهربون.

ويعرف المسؤولون في النيجر -التي تقول الأمم المتحدة إنها أفقر بلد في العالم- أن تطبيق القانون الجديد يعني القضاء على الفساد المستشري في البلاد التي يتقاضى فيها الشرطي الشاب أقل من 190 دولارا شهريا.

وقال جوج ميمونا جازيبو رئيس الوكالة الوطنية لمكافحة تهريب البشر في النيجر وهي هيئة حكومية ”بالنسبة لشاحنة من المهاجرين غير الشرعيين تعبر النيجر وتصل إلى ليبيا فإن كثيرا من المسؤولين يغضون الطرف عنها.“

وأضاف ”من الآن فصاعدا أي مسؤول سيسمح لحافلة بعبور الحدود سيعتبر مذنبا بالتهريب والفساد.“

* أجاديز إل دورادو (مدينة الذهب)

حاولت النيجر في السابق مكافحة الهجرة. وبعد العثور على 92 جثة للمهاجرين في الصحراء عام 2013 شنت الحكومة حملات على عدد من مجمعات المهربين والمعروفة باسم ”الجيتو“ وغيرت عددا من ضباط الشرطة.

وبعد مرور عامين لم يتغير شيء يذكر. وبات تدفق المهاجرين من دول مثل جامبيا والسنغال ونيجيريا ومالي وغانا أكثر من أي وقت مضى في حين شهد المهاجرون والمهربون أنهم اضطروا لرشوة رجال الشرطة في عملية تبلغ قيمتها ملايين الدولارات سنويا.

وشهد فريق من رويترز على طريق إلى الشمال من العاصمة نيامي كيف يقف رجال الشرطة بشكل ممنهج مع المهاجرين على جانب نقاط التفتيش للمطالبة بالأموال. وعلى الرغم من أن مواطني دول غرب أفريقيا لهم الحق في السفر للنيجر يقول كثير من المهاجرين إنهم يفضلون عدم اظهار أوراق هويتهم خوفا من أن يصادرها رجال شرطة فاسدون.

وقال لامين بانداوجو وهو فتى هزيل يبلغ من العمر 17 عاما كان يحاول الفرار من الفقر في بوركينا فاسو ”إذا أوقفوك فعليك أن تدفع“ مشيرا إلى أن الرشاوى تتراوح بين دولارين و20 دولارا.

وأضاف بانداوجو بينما كان يقف في مستودع للحافلات على الطريق إلى أجاديز ”إذا لم تكن تملك شيئا عليك التوسل من أجل الصفح.“

ومنذ توليه السلطة في عام 2011 حقق الرئيس إيسوفو بعض التقدم في مكافحة الفساد وارتقت النيجر إلى المركز 103 في تقرير منظمة الشفافية الدولية عام 2014 بعدما كانت في المركز 134 عند توليه منصبه.

لكن يتساءل البعض عما إذا كانت قوات الأمن على استعداد للتنازل عن العائدات المربحة من الهجرة. وخلص تقرير سري للشرطة الوطنية عام 2013 إلى أن أجاديز التي تعد بوابة إلى الشمال أصبحت تمثل إل دورادو (مدينة الذهب) للقوات الأمنية.

وكشف التقرير وجود أكثر من 70 جيتو للمهربين في المدينة ويقوم بحماية كل منها شرطي مقابل أموال.

وقال تقرير منفصل للهيئة العليا لمكافحة الفساد وهي وكالة أخرى لمكافحة الفساد في نفس العام إن الأموال التي دفعت لقوات الأمن والسلطات المحلية بلغت 450 دولارا للعربة الواحدة و30 دولارا للمهاجر الأجنبي على الطريق بين أجاديز والحدود الليبية.

وكشفت مهمة الهيئة العليا لمكافحة الفساد أن الرشاوى التي يدفعها المهاجرون ضرورية للحفاظ على استمرار عمل قوات الأمن لأن الأموال المخصصة في الميزانية العسكرية لشراء الديزل للسيارات وقطع الغيار والمواد الغذائية تختفي تماما في نيامي.

وقال عثمان بايدو نائب رئيس الهيئة العليا لمكافحة الفساد ”تعترف قوات الأمن أنها تأخذ الأموال لكن ليس لديهم أي خيار. هذا هو المال الذي يستخدمونه في القيام بأعمالهم.“

وفي محاولة لتجاوز قوات الأمن الفاسدة يضع القانون الجديد المسؤولية القانونية على شركات النقل التي تسافر على الطريق إلى أجاديز لضمان أن المسافرين يحملون وثائق سليمة.

وقال جازيبو رئيس الوكالة الوطنية لمكافحة تهريب البشر ”أي شركة نقل لا تفحص الوثائق سنقاضيها بتهمة التواطؤ“ مضيفا أن هذا من شأنه أن يساعد في خفض عدد المهاجرين بحلول العام المقبل.

وتابع ”بمجرد أن نصادر حافلتين أو ثلاث حافلات ستبدأ شركات النقل في التعاون.“

* ”ليس قانونا لحماية أوروبا“

وقال وزير العدل أمادو مارو إن النيجر لا يمكنها معالجة هذه المشكلة بمفردها وناشد الدول المجاورة اعتماد قوانين مماثلة لمعاقبة أولئك الذين يستفيدون من الهجرة غير الشرعية والاتفاق على شروط لعودة المهاجرين.

ويخشى المسؤولون في النيجر من أن أي طرد من جانب واحد لمواطني غرب أفريقيا قد يؤدي إلى إتخاذ إجراءات انتقامية.

وتخطط النيجر لإنشاء ”مراكز استقبال“ في أجاديز في محاولة لمنع المهاجرين من الوقوع في براثن المهربين لإطلاعهم على مخاطر الرحلة المحفوفة بالمخاطر ولإعادة أولئك الذين يريدون العودة إلى بلدانهم.

وقال مارو لرويترز ”ليس هذا قانونا لحماية أوروبا... فعلنا ذلك لإنقاذ الأرواح لأن الحكومات الأفريقية عليها مسؤولية أيضا.“

لكن في ظل اعتماد بعض دول غرب أفريقيا الفقيرة على التحويلات المالية من المهاجرين لا تزال هناك علامات استفهام حول مدى عزم هذه الدول مكافحة الهجرة غير الشرعية.

وقال مارو إن أوروبا عليها الاستجابة من خلال تيسير الهجرة الشرعية. وأضاف ”إذا كان من الممكن للمواطنين الأوروبيين القدوم إلى أفريقيا فينبغي أن يذهب الأفارقة إلى هناك بنفس السهولة.“

والنيجر أكبر متلق للمساعدات الأوروبية من حيث متوسط نصيب الفرد حيث تم تخصيص 600 مليون يورو (680 مليون دولار) من الآن وحتى عام 2020. وقال سفير الاتحاد الأوروبي في النيجر راؤول ماتيوس بولا إن هذه المساعدات سيتم دعمها بمبلغ 30 مليون يورو على الأقل هذا العام.

وستفتح بعثة تدريب شرطية تابعة للاتحاد الأوروبي مكتبا لها في أجاديز وستركز أنشطتها على مكافحة تهريب المهاجرين. وسيسهم الاتحاد الأوروبي أيضا في مراكز لتوعية المهاجرين وإعادتهم لديارهم.

وتدرك النيجر وشركاؤها الأوروبيون أنهم إن أرادوا وقف تدفق المهاجرين فإن المهاجرين والمهربين على حد سواء في حاجة إلى بدائل اقتصادية.

وحذر تقرير للشرطة الوطنية في 2013 من أن أجاديز تعيش على التهريب وأن أي محاولات لإنهاء ذلك قد تؤدي إلى أعمال شغب. ومع تدمير السياحة بفعل التشدد الإسلامي في منطقة الصحراء يقول كثيرون في المدينة إنه لا يوجد لديهم أي شيء آخر يمكنهم من كسب قوت يومهم.

ويمكن للمهرب كسب ثلاثة ملايين فرنك (5212 دولارا) من عربة واحدة رباعية الدفع تقل 30 مهاجرا. وهذا المبلغ يمثل ثروة في دولة يعيش معظم سكانها على أقل من دولارين في اليوم.

وتكمن عشرات من مجمعات التهريب وراء الجدران الطينية الحمراء في الشوارع الخلفية القذرة لأجاديز وتغلق المجمعات ببوابات معدنية تكشف قليلا من ملامح الشبان في الداخل.

وقال بشير الذي يملك جيتو للمهاجرين ”لا يمكنهم وقف الهجرة تماما. ما لم تكن هناك هجرة فسوف تنتهي أجاديز تدريجيا.“

ويقول بشير إنه يريد ترك هذا العمل بسبب القانون الجديد ويريد أن يهاجر هو نفسه أيضا.

وأضاف ”إذا كانت أوروبا ستعطينا المال فعندئذ سنبقى هنا.“

إعداد محمد اليماني للنشرة العربية - تحرير أحمد حسن

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below