29 تموز يوليو 2015 / 14:35 / منذ عامين

حملة في آسيا الوسطى على التشدد الاسلامي تجازف بنتائج عكسية

أوش (قرغيزستان) (رويترز) - تتخذ السلطات في الجمهوريات السوفيتية السابقة في آسيا الوسطى إجراءات شديدة القسوة للقضاء على التشدد الاسلامي لكن أساليبها الفظة وغياب الحياة السياسية الديمقراطية يمثل مجازفة برد فعل معاكس قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار.

وفي حين حارب حكام المنطقة الشموليون التشدد الاسلامي طوال ربع قرن منذ انهيار الاتحاد السوفيتي فإن صعود تنظيم الدولة الاسلامية جلب معه خطرا جديدا تصفه أجهزة الأمن بأنه أكثر خطورة.

فقد حظرت أوزبكستان إطالة اللحى والملابس الاسلامية وأغلقت المطاعم التي ترفض بيع المشروبات الكحولية كما حذرت المقاهي من مراعاة الإفطار كل ليلة خلال شهر رمضان.

وفي قرغيزستان حيث تدقق السلطات في اختيار أئمة المساجد لضمان ألا تذكي الخطب الاضطرابات وقعت حوادث إطلاق نار بين الشرطة السرية ومتشددين.

أما في طاجيكستان فقد أعلن الكولونيل جولمورود خاليموف القائد مرهوب الجانب لقوة خاصة في الشرطة نفسه عضوا في الدولة الاسلامية هذا العام. فقد ظهر في مقطع فيديو على موقع يوتيوب وهو يرتدي السواد ويحمل بندقية قنص ووصف الحكومة بأنها ”كلاب“ وتعهد بنقل الجهاد إلى روسيا والولايات المتحدة.

وبدأت الدول الغربية - التي تهتم في العادة بالأمن في آسيا الوسطى باعتباره طريق الامدادات للحرب التي خاضها حلف شمال الأطلسي في أفغانستان - تنظر بعين الاعتبار للتهديد الجديد في منطقة يسكنها 60 مليون نسمة تربط الصين وروسيا بالشرق الاوسط.

وتقدر مجموعة الأزمات الدولية أن 4000 شخص من المنطقة انضموا لمقاتلي الدولة الاسلامية في سوريا والعراق أو ساعدوهم.

وقال ريتشارد هوجلاند النائب الرئيسي لمساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون جنوب آسيا وآسيا الوسطى خلال زيارة لأوزبكستان هذا الشهر ”أعتقد أن الكل بحاجة لليقظة“ في مواجهة الدولة الاسلامية.

وأضاف مستخدما اسما شائعا للتنظيم ”لكن ليست داعش وحدها التي قد تعبر الحدود من أفغانستان إلى آسيا الوسطى... بل داعش هي التي قد تنمو داخل دول آسيا الوسطى.“

* اللجوء للعمل السري

خرجت آسيا الوسطى من تجربة انهيار الاتحاد السوفيتي وقد قسمت سهولها الشاسعة وصحاريها المبهرة وجبالها الشاهقة ومساجدها الأنيقة التي ترجع للعصور الوسطى إلى خمس جمهوريات.

وقد رسم حدود هذه الدول المتعرجة مفوضون من الثورة البلشفية بقصد عزل الجماعات العرقية الرئيسية من ذوي الأصول التركية والفارسية في المنطقة والسيطرة عليها.

ومازالت ثقافة مجلس السوفيت الأعلى بالحزب الشيوعي تحكم هذه الدول التي يديرها باستثناء قرغيزستان رؤساء يحكمون مدى الحياة. ومازال الحكام يدورون في فلك موسكو تساورهم الشكوك في الدين ويعتمدون على الشرطة السرية كما أنهم مستبدون بالفطرة.

وشعوب هذه الدول من بين أفقر شعوب العالم كما أن تاريخها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي تميز بالعنف العرقي والديني والقمع السياسي. وأوزبكستان وتركمانستان من أكثر المجتمعات انغلاقا وشمولية في العالم. أما طاجيكستان فقد أمضت عقد التسعينات في خوض حرب أهلية ضد الإسلاميين كما شهدت قرغيزستان ثورتين واضطرابات عرقية.

ومن بين الدول الخمس برزت قازاخستان فقط التي توجد بها استثمارات دولية كبرى في النفط والغاز كدولة مستقرة ومزدهرة وليس بها معارضة ديمقراطية. وفي العام الجاري أعيد انتخاب الرئيس نور سلطان نزار باييف الذي يدير شؤون الحكم منذ 1989 وكان قبل ذلك رجل الحزب الشيوعي السوفيتي في البلاد.

ويعيش نحو نصف سكان المنطقة في أوزبكستان التي توجد في صحاريها مزارع للقطن ترويها شبكات الري وعدد من المدن الواقعة على طريق الحرير والتي تقيد سفر مواطنيها للخارج. وكانت تعاملاتها محدودة مع العالم الخارجي منذ فتحت الشرطة فيها النار على مجموعة من المحتجين قبل نحو عشر سنوات وقلصت معظم الدول الغربية علاقاتها بحاكمها اسلام كريموف.

ويطرح كريموف نفسه منذ فترة طويلة على أنه حصن في مواجهة خطر التشدد الاسلامي وذلك بالتعامل مع كل أشكال المعارضة على السواء ما دفع خصومه العاديين إلى العمل السري وأحضان المتشددين.

وتقول منظمة هيومان رايتس ووتش الحقوقية ومقرها نيويورك إن الحكومة عذبت الالاف من المسلمين المستقلين وسجنتهم ووجهت لهم اتهامات بالتطرف لها دوافع سياسية لممارستهم مبدأ حرية الدين دون الالتزام بالضوابط المعمول بها في الدولة.

وتغطي قيود كثيرة كل شيء من حيازة المصحف ”دون إذن“ إلى مناقشة الموضوعات الدينية خارج المساجد المسجلة.

وأسقطت المطاعم في العاصمة طشقند الأكل الحلال من قوائم الطعام كما أن المطاعم التي ترفض تقديم المشروبات الكحولية تجازف بإغلاقها. أما الجمعيات الخيرية التي قدمت وجبات إفطار في رمضان فقد تلقت تحذيرات.

وقال مدرس جامعي اسمه أكبر وعمره 35 عاما ”أعتقد أنهم منعوا الافطار في المقاهي لانهم يعتقدون أنه شكل من أشكال التجمع الديني.“

ولم يشأ أكبر أن يذكر اسمه بالكامل مثل أغلب الأوزبك عندما يتحدثون مع صحفي.

وأضاف ”أي تجمع ديني لم يحصل على موافقة يعتبر مشبوها بل وخطيرا في بعض الاحيان.“

* ”إسلامنا هو الصحيح“

يقال إن قرغيزستان المجاورة هي أكثر دول المنطقة انفتاحا حيث أطاحت انتفاضات شعبية برئيسين لا شعبية لهما في عامي 2005 و2010 وأصبحت السلطة التنفيذية الان مقسمة بين رئيس منتخب ورئيس وزراء يختاره برلمان. لكنها شهدت أيضا تضييقا على النشاط الدعوي الذي لم يحصل على موافقة رسمية.

واشتبكت عناصر من الشرطة الخاصة مع جماعتين يشتبه أنهما تنتميان للدولة الاسلامية في العاصمة بشكك هذ الشهر ما أدى إلى مقتل ستة متشددين والامساك بسبعة آخرين.

وقالت الشرطة إن المتشددين يتأهبون لشن هجمات في الميدان الرئيسي في بشكك وعلى قاعدة جوية روسية.

وتقول السلطات القرغيزية إن 350 شخصا سافروا من البلاد للانضمام إلى الدولة الإسلامية أغلبهم من أوش وجلال أباد وهي مناطق خاضعة لسيطرة القرغيزيين في وادي فرغانة وهي منطقة جبلية خصيبة تتداخل فيها الحدود بين قرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان.

وقد أصبح العنف متوطنا في مختلف أنحاء فرغانة وفي أحدث مرة تفجر فيها عام 2010 سقط مئات القتلى في اشتباكات بين ذوي الأصول الأوزبكية والأصول القرغيزية في أوش. لكن السلطات تقول الآن إنها مسيطرة على الوضع بفضل اجراءات مشددة لكبح جماح الخطباء.

وقال الكولونيل أصيل بك كوخوبيكوف رئيس الشرطة الخاصة في منطقة أوش إن رجاله اعتقلوا في أوش 39 شخصا في العام الماضي وثمانية آخرين في يناير كانون الثاني الماضي اتهموا بأنهم أعضاء في جماعات متطرفة.

وقال لرويترز ”أتعلمون لماذا لم تقع أحداث ارهابية هنا؟ لأن اسلامنا هو الصحيح. حاشا لله. يأتي بعض الدعاة إلى هنا ليشرحوا أن القرآن يقول إن الجهاد مطلوب. وعلينا أن نمنع هذا البلاء.“

وللدلالة على الخطر المحدق سمح كوخوبيكوف لرويترز بمقابلة متشدد مسجون في مقر الشرطة الخاصة هو المسجون بوبرجان (27 عاما) وهو من أصول أوزبكية من قرغيزستان اعترف بالتدريب في سوريا لثلاثة أشهر قبل العودة الى آسيا الوسطى لتنفيذ هجمات.

وقال بوبرجان لرويترز إنه تم تجنيده في موسكو التي سافر إليها بحثا عن عمل. ورغم أن فهمه للقران محدود فقد تم الاتصال به في أحد المساجد واستماله المتشددون بمقاطع الفيديو وقصص الجهاد.

وألقي القبض عليه عند عودته وحكم عليه بالسجن ست سنوات.

وأضاف كوخوبيكوف إن السلطات تجري تقييما لرجال الدين لمنع المتشددين من إلقاء الخطب الدينية في المساجد المحلية.

ويقول منتقدون إن بعض هذه الرقابة تتحول إلى قمع لأئمة لهم شعبيتهم. وفي أحدث الأمثلة على ذلك تم اعتقال راشد كامولوف الذي كان يعظ في مسجد بمدينة كاراسو قرب الحدود الأوزبكية وهو ينتظر الان محاكمته بتهمة تجنيد متشددين وتكوين جماعات غير قانونية.

وقال صادقيان كلام الدين أحد الائمة في كاراسو ”علينا دائما التفكير في شكل رد الفعل ... إذا تعرض رجال الدين للاضطهاد والسجن وإذا تم تصنيف أئمة مساجد محلية لم يتحدثوا عن شيء محظور بطرق مختلفة.“

* زهور

وفي طاجيكستان إلى الجنوب أبرم رجل الحزب الشيوعي السوفيتي السابق إمام علي رحمانوف تحالفا قويا مع روسيا لهزيمة المتشددين الاسلاميين في حرب أهلية خلال التسعينات.

وبعد مرور ربع قرن تقريبا على توليه السلطة أصبحت تحيط به تلك الهالة شبه الدينية التي تحيط عادة بقيادات المنطقة. فخلال سفرياته في أنحاء بلاده التي تعد من أفقر بلاد العالم تستقبله جموع حاشدة من المواطنين وأحيانا تملأ الزهور الطرقات التي يمر بها. وتؤدي فرق موسيقية أغاني تشببه بالرسول محمد ما يثير استياء بعض المسلمين من السكان المحليين.

لكن هروب قائد قوة الشرطة الخاصة هذا العام إلى تنظيم الدولة الاسلامية يثبت أن الوضع ليس مستقرا كما تشير الشواهد.

وقال الكسندر نيازيف محلل شؤون اسيا الوسطى في قازاخستان المنفتحة نسبيا إن عدم السماح بوجود معارضة يعني أن رحمانوف يعيد من جديد بعض الظروف التي كانت سببا في قيام الحرب الاهلية قبل عقدين من الزمان.

وقال إن الضغط على حزب النهضة الاسلامية المعارض والذي يضم بعضا من خصومه خلال فترة الحرب قد يدفع المزيد من الناس للتطرف.

إعداد منير البويطي للنشرة العربية - تحرير أميرة فهمي

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below