9 أيلول سبتمبر 2015 / 15:55 / بعد عامين

المدرسون في بريطانيا يتعلمون كيفية التعامل مع المتطرفين

كمال حنيف ناظر إحدى مدارس برمنجهام في بريطايا يوم في صورة التقطت يوم 26 يونيو حزيران 2015. تصوير: اندرو يتس - رويترز

برمنجهام (انجلترا) (رويترز) - ألقى كمال حنيف ناظر إحدى مدارس برمنجهام مؤخرا محاضرة في مجموعة من الآباء عن كيفية استخدام المتطرفين وسائل الاعلام الاجتماعي لتجنيد الشبان. وما إن ذكر اسم فيسبوك حتى رفع بعض الآباء وبصفة خاصة أمهات مسلمات أيديهم لإبداء عدم معرفتهم بهذا الموقع.

وقال حنيف لهم إن هذا الجهل سلاح بالنسبة للمتطرفين. وأضاف "إذا لم تتواصلوا مع طفلكم وتكونوا منفتحين جدا معه فليس لديه أحد يلجأ إليه."

وحنيف في وضع جيد يسمح له بمعرفة ذلك. فقبل عشر سنوات أصبح أول مسلم يتولى منصب الناظر في مدرسة ثانوية في برمنجهام. وخلال تلك الفترة خرج من هذه المدينة- ثاني أكبر مدن بريطانيا- أول شخص يدان بالانتماء لتنظيم القاعدة ومتسلل الكتروني قيل أنه عضو في تنظيم الدولة الاسلامية الذي قتل الصحفي الأمريكي جيمس فولي.

وفي ظل قيادة حنيف أشاد مفتشون بمدرسة ويفرلي لمحافظتها على سلامة الصغار رغم أنها تقبع في تجمع سكني محروم اعتبرته الشرطة عام 2013 من أكثر التجمعات السكنية عرضة للتطرف العنيف.

وفي العام الماضي تلقى حنيف استدعاء للمساعدة في إصلاح مدارس محلية أخرى بعد ما تردد أنها مؤامرة لاستيلاء اسلاميين متشددين عليها من الداخل.

ومع عودة المدرسين في بريطانيا إلى المدارس هذا الشهر أصبح عليهم التزام قانوني جديد بإبقاء العيون مفتوحة للتعرف على المتطرفين المحتملين. وكان حنيف يجوب البلاد لعرض تجاربه. وتظهر قصته كيف أن القانون الجديد قد يفيد وإن كان من المحتمل أيضا أن يؤدي إلى نتائج عكسية.

وتقدر الحكومة البريطانية أن 700 شخص على الأقل سافروا للقتال مع الجماعات الجهادية أو دعمها في سوريا والعراق. وتظهر استطلاعات الرأي إن الخوف من المسلمين يتزايد.

وفي خطاب ألقاه رئيس الوزراء ديفيد كاميرون في يوليو تموز قال إن على بلاده مواجهة "حقيقة مأساوية هي أن هناك أفرادا يولدون ويتربون في هذه البلاد ولا يشعرون في الواقع أنهم جزء من الهوية البريطانية ولا يشعرون بارتباط يذكر أو لا يشعرون بأي ارتباط على الاطلاق مع الآخرين هنا."

وبمقتضى القانون الجديد يتعين على المدارس أن تبدي الاهتمام الواجب بضرورة منع الناس من السقوط في براثن الارهاب.

ويقول منتقدو هذه السياسة ومن بينهم طلبة ومدرسون وأكاديميون وجماعات مناصرة للحقوق المدنية وأعضاء في البرلمان إنه يستهدف المسلمين على نحو ظالم لهم وإنه سيؤدي إلى تفاقم الشعور بالغربة بين 2.7 مليون بريطاني.

وتقول سعيدة وارثي الرئيسة السابقة لحزب المحافظين الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء كاميرون وهي مسلمة "من المحزن أنه حدثت سياسة انفصال من بعض تجمعات المسلمين البريطانيين على مدى السنوات الست الأخيرة... شهدت حكومات متعاقبة عددا متزايدا من الأفراد والمنظمات خارج إطار السلوك المقبول ومن ثم يجب عدم التواصل معهم."

ويخشى روب فيرجسون المدرس بمدرسة نيوهام سيكث فورم كوليدج بشرق لندن أن يؤدي القانون إلى انتشار حالة من الارتياب. فقد قال له صديق امتنع عن الكشف عن اسمه إن ابنه "يتحدث كثيرا عن فلسطين".

وقال فيرجسون "هذا مثال حقيقي على الجو السائد. نوع من الرقابة الذاتية من ناحية وخوف من النقاش المفتوح من ناحية أخرى."

ويشعر حنيف أيضا بهذه المخاوف ويقول إن القانون يخص المسلمين دون غيرهم فيما يبدو.

وقال حنيف حليق الذقن البالغ من العمر 44 عاما في مكتبه غير المرتب وخلفه صور شهادات تعليمية حصل عليها "وكأن النقاش حول المساواة بين الأجناس عاد من جديد."

ومع ذلك فهو يقول إنه إذا نهجت المدارس النهج السليم فمن الممكن أن يصبح القانون الجديد مفيدا. ويضيف "الأمر يتوقف على كيفية تعامل المدرسة معه. فإذا كان أسلوب المدرسة هو ‘رصد المؤشرات‘ ... فلن يفلح."

* كشف السر

وقد خدمت أسرة حنيف التي تمتلك أراضي في الجيش البريطاني بعد أن هاجرت من كشمير إلى ضاحية بوردسلي جرين في برمنجهام خلال الخمسينيات. وكان حنيف نفسه طالبا في المدرسة التي أصبح ناظرها.

وهو يعتقد أن على الكبار أن يراقبوا الاطفال والمراهقين. وفي الندوة التي نظمت للآباء استعان ببعض الطلبة لشرح الأسباب. وعرض أحد الطلبة عبر جهاز العرض شريحة عليها نحو 25 تطبيق يمكن للغرباء استخدامها للاتصال بالأطفال سرا.

ثم حدد حنيف الإطار العام لأساليب الاعداد التي يستخدمها المتشددون. فقال إن القائمين على تجنيد الآخرين يعرضون في البداية صورا لما حققوه من نجاح. ثم يبدون التعاطف والصداقة للتخفيف من إحساس الفرد بالعزلة والرفض والاشمئزاز من المجتمع.

ويرسل البعض هدايا. ويخاطب آخرون الإحساس الشخصي بالواجب حتى يشعر المستهدفون بأنهم مضطرون للدفاع عن الضحايا أمثال الأطفال في سوريا أو رد الجميل.

وقال حنيف إن من المراحل الاساسية إطلاع المستهدفين على سر من الأسرار وتشجيعهم على الانفصال عن أصدقائهم وأسرهم.

وقالت إحدى الأمهات وتدعي فايزة علي إن الندوة فتحت أعين الآباء وإنها ستراقب أطفالها مضيفة "بالفعل من الواضح جدا كيف يتم اللعب على نقاط ضعفهم."

لكن المراقبة لها حدودها. وقالت مجموعة من الفتيات المحجبات إنهن يسهرن لاستخدام تطبيقات من بينها سناب تشات وتويتر وواتس آب وبي.بي.إم وتمبلر وفاين وانستجرام. وأضافت الفتيات أنه إذا حاول أحد تتبعهن أو مراقبتهن فسيجدن وسيلة للمحافظة على سرية الاتصالات.

وبمقتضى القانون الجديد يتعين على المدرسين الإبلاغ عن أي حالة يشعرون بالقلق حيالها للبرنامج الحكومي لمكافحة التشدد والذي تشارك فيه الشرطة.

وقال حنيف إنه في السنوات العشر التي أدار فيها مدرسة ويفرلي أبلغ عن حالتين فقط للبرنامج.

كانت الحالة الأولى لطفل لديه مشاكل ذهنية لم تكتشف ونقل لتلقي الرعاية الواجبة. أما الأخرى فكانت لتلميذ كتب مقالا تعمد أن يكون استفزازيا عن الارهاب في امتحان مادة الدين. ولم تتم متابعة حالته واتفق المسؤولون المعنيون أنه ليس معرضا للخطر.

* من بابا نويل إلى رمضان

يقول حنيف إن خطوتين لهما فعالية أكبر من مراقبة الأطفال الأولى هي تعريف التلاميذ وأسرهم بآراء الآخرين ومعتقداتهم والثانية ضمان امتلاكهم الثقة والمهارات التي تبقيهم في أمان على الانترنت.

وتبدو الخطوة الأولى أبسط مما هي في الواقع خاصة في مدن مثل برمنجهام التي وصفها الكاتب كنعان مالك بأنها مجموعة من "الاقطاعيات المحددة على أسس عرقية".

ويقول حنيف إنه كان يتسوق في أحد المراكز التجارية قبل بضعة أعوام عندما هاجمت المركز جماعات يمينية متطرفة ما دفعه للعدو مع أطفاله سعيا للاحتماء من المهاجمين.

وقال إنه عندما أصبح ناظرا لمدرسة ويفرلي واجه صراعات مع العاملين. وكان عليه أن يقنعهم أنه لن يفرض برنامجا اسلاميا وأن يريهم أن الطائفة المحلية ليست معزولة كما يشعر البعض.

وكان الحل في رأيه أن يجعل التنوع شعارا للمدرسة. والآن أصبح العاملون في ويفرلي من 46 جنسية وتلقت المدرسة في المرة الأخيرة 1217 طلبا لشغل 180 مكانا وعلقت في طرقاتها لافتات عن حقوق المثليين. وتنظم المدرسة "أياما للاحتفاء بالتنوع" لتوعية التلاميذ بالثقافات المختلفة كما أنها أقامت صلات مع فرنسا.

كما يلعب حنيف الذي يصوم شهر رمضان دور بابا نويل للأطفال الصغار.

وقال التلميذ دانش شوكت (15 عاما) المصاب بشلل دماغي إن حنيف ساعده على التغلب على التلاميذ الذين كانوا يتنمرون عليه من خلال تخيل مستقبله.

وأضاف أن الناظر قال له إن من يضايقونه الان لن يكون لهم معنى في حياته خلال بضع سنوات وعندما فكر في الأمر على هذا النحو فقد المتنمرون قوتهم في نظره.

وفي وسائل التواصل الاجتماعي يعوض ناظر المدرسة أوجه القصور لدى الكبار بتشجيع التلاميذ على تبادل معلوماتهم في مجموعات حوارية. ويساعدهم المدرسون على تحليل أساليب الاستمالة التي تستخدمها الجماعات المناهضة للمسلمين والمتشددين الاسلاميين.

* "عناصر خبيثة"

إلا أن من الصعب تسويق رسالة التنوع والمرونة خارج بوابات المدرسة العالية سوداء اللون. ويقول أحد الموظفين يعيش في مدينة قريبة إنه كثيرا ما يتفادى احتجاجات مناهضة للاسلام في طريقه من العمل إلى البيت.

وفي الآونة الأخيرة بدأ الإسلام الأصولي يؤثر تأثيرا مباشرا على المدرسة.

في عام 2014 احتلت فضيحة عرفت باسم "حصان طروادة" عناوين الصحف عندما زعمت رسالة مجهولة وجود مؤامرة اسلامية في بعض المدارس. ومنذ ذلك الحين قال مفوض التعليم في المدينة إن البعض يتبع أساليب مثل الأساليب التي ورد وصفها في الرسالة.

وتقول تقارير إعلامية إن من هذه الأساليب تعليم اللغة العربية إجباريا من سن الرابعة والفصل بين البنات والأولاد في الفصول وعدم مناقشة التوجهات الجنسية وعدم الاحتفال بعيد الميلاد وعدم أخذ دروس في اللغة الفرنسية لأن فرنسا منعت النقاب في الأماكن العامة. وتردد أن قادة المدرسة تعرضوا للتهديد والترهيب.

ولبضعة أشهر بعد ذلك ساهم حنيف في الإشراف على بعض المدارس المعنية. ويقول مفتشون إن التحسن كان بطيئا. وفي ويفرلي قال حنيف إن سبب الأزمة هو صعوبات ايجاد موظفين.

وقال كولين دياموند مدير التعليم بالوكالة في مجلس المدينة إن أنماط التوظيف في برمنجهام لا تختلف عنها في بقية أنحاء البلاد حيث يوجد نقص في بعض التخصصات. وأضاف أن المدينة ستطلق شبكة للمدرسين الأول شارك فيها أكثر من 300 منهم الأمر الذي سيؤدي إلى عدم وجود مدرسة معزولة بالطريقة التي وصفت في رسالة حصان طروادة.

والآن يتعرض حنيف لضغوط من الخارج. فقد بدأت مدونة مجهولة - تقول إن فضيحة حصان طروادة كانت بلاغا كاذبا - نشر هجمات عليه وقالت إن تأييده للسياسات الحكومية المناهضة للمتطرفين فيه معاداة للمسلمين.

وقال دياموند إن المدونة هاجمت قيادات مدرسية أخرى ومسؤولين حكوميين كان هو من بينهم. وأضاف "من المؤسف أن مؤلفي هذه المدونة اختاروا الاختباء خلف إخفاء هويتهم. وأما أتحداهم أن يظهروا ويتكلموا علانية."

إعداد منير البويطي للنشرة العربية- تحرير سيف الدين حمدان

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below