27 تشرين الأول أكتوبر 2015 / 12:15 / بعد عامين

تزايد الشواهد على تحول تركيا إلى صورة أخرى من الدول المضطربة في المنطقة

(رويترز) - كان من المفترض أن تكون تلك اللحظة لحظة يتحد فيها الجميع وسط ما علق بالأذهان من صور مفزعة.

الرئيس التركي رجب طيب ارودغان في شمال قبرص يوم 17 اكتوبر تشرين الاول 2015. - رويترز

ففي مباراة في التصفيات المؤهلة لبطولة أوروبا لكرة القدم 2016 بمدينة قونية بالأناضول في وسط البلاد وقف منتخبا تركيا وايسلندا وقد أحنى اللاعبون رؤوسهم دقيقة حدادا على أرواح 102 قتيل سقطوا في هجومين انتحاريين في أنقره قبل ثلاثة أيام.

ومن وسط بعض قطاعات الجماهير انطلقت صيحات الاستهجان والاستنكار وترددت الشعارات اليمينية بل وهتف البعض الله أكبر. وبدلا من تكاتف الجميع في هذا الحداد العام سلطت تلك اللحظة الضوء على انقسامات فجة تمزق المجتمع التركي.

استهدف التفجيران الانتحاريان اللذان نفذهما اثنان من أتباع تنظيم الدولة الاسلامية من داخل تركيا الائتلاف المؤيد للأكراد حزب الشعوب الديمقراطي ونشطاء يساريين ونقابيين عماليين أثناء تجمعهم لحضور لقاء جماهيري لابداء معارضتهم لاستئناف القتال في جنوب شرق البلاد بين قوات الأمن ومقاتلي حزب العمال الكردستاني.

كان ذلك أسوأ هجوم ارهابي في تاريخ تركيا لكنه عمق الاستقطاب في البلاد بدلا من توحيد صفوف أبنائها.

بل إن فوز تركيا على ايسلندا بهدف في المباراة لتتأهل للبطولة ترك طعما مرا في الأفواه إذ طغت عليه الأحداث التي شهدتها المباراة في استاد قونية.

وكتب مصطفى دنيزلي المدرب السابق للمنتخب الوطني في صحيفة حريت يقول ”أليس لدينا قلب يدق لهؤلاء (الضحايا الذين سقطوا في الهجوم) وشفاه تهمس (حزنا عليهم)؟ ما هو المطلوب لابداء الاحترام لشخص رحل؟ هل نحن غرباء إلى هذا الحد على هذه المشاعر؟“

والخطر قائم أن تنزلق تركيا عضو حلف شمال الأطلسي والمرشحة لعضوية الاتحاد الاوروبي إلى نوع من الصراع الطائفي العرقي يشبه ما مزق العراق وسوريا من صراع ويرى بعض المحللين المنزعجين أن تركيا بدأت تشبه الدولتين في بعض الجوانب.

ويقول المحلل المخضرم جنكيز جاندار ”ثمة عدم ارتياح وتوافق بين كثير من الناس على أن تركيا تمزق نفسها بنفسها شيئا فشيئا. بدأنا نصبح على نحو متزايد أشبه بسوريا ونتحول أكثر إلى بلد شرق أوسطي أقرب منه إلى بلد أوروبي.“

* ظهور انقسامات

ويرفض المسؤولون الأتراك هذه التشبيهات ويقولون إن تركيا دولة مستقرة وإنها ليست وحدها التي تشعر بالنيران المتأججة في سوريا بل إن الاتحاد الاوروبي يعاني أيضا.

وحتى عام 2013 كانت تركيا من أعمدة الاستقرار تربطها صلات قوية بالغرب ولها نفوذ في الشرق الأوسط الذي يمر بفترة تحولات مؤلمة وذلك بعد نحو عشر سنوات من الحكم الاسلامي المعتدل في ظل حكم رجب طيب إردوغان.

كل ذلك بدأ يتغير في يونيو حزيران عام 2013 عندما بدأت في مدن الغرب والمدن الساحلية في تركيا حيث يكثر العلمانيون احتجاجات على حكم إردوغان الاستبدادي المتزايد وتجاهله للجميع باستثناء الموالين له.

وأخمد إردوغان الاحتجاجات وشن حملة تضييق على وسائل الإعلام.

وبعد أن فتح حلفاؤه السابقون من الاسلاميين في الشرطة والقضاء تحقيقات في اتهامات بالفساد بين وزرائه وبعض أفراد أسرته وبدأوا يسربون ما توصلوا إليه من نتائج ندد إردوغان بذلك وقال إنها مؤامرة مدبرة من الخارج للإطاحة به وبدأ يسيطر على السلطات القضائية والأمنية.

وتجاوز إردوغان سلطات رئيس البلاد الذي يفترض دستوريا ألا ينتمي لأي حزب من الأحزاب وشن حملة من أجل فوز حزب العدالة والتنمية الاسلامي الذي أسسه بأغلبية كبيرة تمكنه من تغيير شكل النظام في تركيا من نظام برلماني إلى نظام رئاسي.

ورفض الناخبون الاتراك هذا التصور للانفراد بالحكم وفي الانتخابات العامة التي أجريت في يونيو حزيران خسر حزب العدالة والتنمية الأغلبية التي كان يتمتع بها للمرة الأولى منذ عام 2002.

وبعد محادثات شكلية لتكوين ائتلاف حكومي دعا إردوغان إلى إجراء انتخابات جديدة في الأول من نوفمبر تشرين الثاني. لكن المشهد السياسي كان قد تدهور فيما بين الانتخابات السابقة والانتخابات المقبلة.

* تفجر الاضطرابات

حتى قبل انتخابات يونيو حزيران الماضي وقعت عشرات الهجمات على مكاتب حزبية ولقاءات جماهيرية لحزب الشعوب الديمقراطي الذي لم يوحد خلفه الأقلية الكردية في البلاد فحسب بل كسب تأييدا بين العلمانيين والليبراليين واليساريين الأتراك.

وبذلك استطاع الحزب بكل ارتياح أن يتجاوز الحد الأدنى المطلوب لدخول البرلمان وهو 10 في المئة من مجموع الأصوات.

وأدى فوز حزب الشعوب الديمقراطي بثمانين مقعدا -من منطقة كانت تعتمد من قبل على حزب العدالة والتنمية بعد أن بدأ إردوغان محادثات سلام مع أقطاب التمرد الكردي قبل أربع سنوات- إلى حصول الحزب الحاكم على 258 مقعدا في البرلمان أي أقل 18 مقعدا من الأغلبية البسيطة المطلوبة في البرلمان الوطني المكون من 550 مقعدا.

وأبعد ذلك إردوغان عن تحقيق هدف تحويل النظام إلى رئاسة تنفيذية.

وازداد الوضع تدهورا في يوليو تموز عندما قتل تفجير انتحاري نفذه تنظيم الدولة الاسلامية 34 من الأكراد والنشطاء اليساريين في سروج بالقرب من مدينة كوباني الكردية في سوريا على الجانب الآخر من الحدود ليشتعل الوضع في جنوب شرق تركيا من جديد بعد وقف لاطلاق النار مع حزب العمال الكردستاني استمر عامين.

ولا يتهم الحكومة بالتواطؤ المتمردون الأكراد وحدهم بل يشاركهم في ذلك الأكراد عامة وكثير من خصوم إردوغان السياسيين.

وعندما رد حزب العمال الكردستاني بقتل اثنين من رجال الشرطة شنت أنقره حملة جوية عبر حدودها الجنوبية فاستهدفت حزب العمال الكردستاني في اقليم كردستان العراقي.

ويظن كثيرون على نطاق واسع لا في تركيا وحدها بل فيما بين حلفائها الغربيين أن إردوغان الذي فاز في انتخابات الرئاسة عام 2014 يريد من خلال استئناف الحرب على حزب العمال الكردستاني اقتناص أصوات من القوميين الأتراك ودفع حزب الشعوب الديمقراطي للحصول على أقل من العشرة في المئة اللازمة لدخول البرلمان من أجل استرداد الأغلبية التي فقدها حزب العدالة والتنمية.

ويريد إردوغان مواصلة السعي لتنفيذ خططه من أجل تغيير النظام إلى نظام رئاسي على غرار النظام الفرنسي.

وقال جاندار المتخصص أيضا في الشؤون الكردية ”ما نشهده الآن هو نتاج حسابات إردوغان لإبطال نتيجة انتخابات السابع من يونيو حزيران باستئناف القتال مع حزب العمال الكردستاني والأكراد.“

وأضاف ”فقد اعتمد على أن حزب العمال الكردستاني سيرد. وقد رد بالفعل.“

* عواقب

ويقول بعض المحللين إن تفجير سروج كان نتيجة حتمية لسياسة الحكومة في سوريا.

وانتشر في البلاد المتعاطفون مع تنظيم الدولة الاسلامية بفعل سياسة الحكومة تجاه سوريا والتي كانت تسمح للجهاديين المتطوعين بالمرور عبر تركيا للقتال في سوريا من أجل اسقاط الرئيس بشار الأسد.

ومع ذلك وحتى عندما كشفت تقارير في الصحافة التركية عن خلايا في مدن مثل أديامان لم يتخذ أي إجراء يذكر. وتنفي الحكومة التركية أنها تؤيد المتعاطفين مع تنظيم الدولة الاسلامية ضمنا أو غير ذلك أو ان الهجمات لم تخضع لتحقيق سليم.

وقال خاقان ألتيناي من معهد بروكينجز في واشنطن ”لم يتم التحقيق في كثير من الهجمات على حزب الشعوب الديمقراطي.“

وفي إشارة إلى قول صلاح الدين دمرداش زعيم حزب الشعوب إن أكثر من 400 هجوم وقع قبل الحملة الانتخابية السابقة تساءل ألتيناي ”متى يكون الإهمال تواطؤا أو حتى جنائيا؟“

وأضاف ”لقد انفسخ العقد الاجتماعي“ وهذا هو ”مفتاح الإحساس بالغربة“ بين الأكراد. وقال ”إذا واصلت السير على هذا المنوال فسيتفكك النسيج الاجتماعي. وتحدث لبننة تركيا.“

ويقول سنان أولكن الدبلوماسي السابق الذي يرأس مركز إيدام للابحاث وهو مركز ليبرالي التوجه في اسطنبول وباحث زائر لدى مؤسسة كارنيجي في بروكسل إن إخفاق الحكومة في التحرك فيما يتعلق بعمليات التفجير في تركيا مثير للانزعاج.

ويضيف ”حتى الآن عجزت الحكومة عن الإتيان بأي تفسير مقنع لفشلها في التحقيق على الوجه السليم وقبول المسؤولية عن حريتنا وأمننا.“

ويقول أولكن مشيرا إلى آثار سياسة إردوغان في سوريا إن ”تركيا في حالة اضطراب والنيران تلتهم الجميع. يبدو أنه كان يلعب بالنار.“

ويقول ألتيناي إن هذا يمثل بداية لشواهد تحول تركيا مثل جيرانها ”فما أن تسمح لهذا الجِني بالخروج من القمقم من الصعب إعادته إليه.“

إعداد منير البويطي للنشرة العربية - تحرير أميرة فهمي

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below