28 تشرين الأول أكتوبر 2015 / 19:40 / بعد عامين

تحليل-أشهر الصراع تفسد أجواء الانتخابات التركية في الجنوب الشرقي الكردي

الرئيس التركي رجب طيب ارودغان في شمال قبرص يوم 17 اكتوبر تشرين الاول 2015. تصوير: يانيس كورتاوغلو - رويترز

دياربكر (تركيا) (رويترز) - قبل خمسة أشهر نزل الآلاف من الناس إلى الشوارع في جنوب شرق تركيا الذي يغلب الأكراد على سكانه وهم يرقصون ويطلقون الألعاب النارية بعد أن دخل حزب معارض مؤيد للأكراد البرلمان للمرة الأولى. والآن تستعد المنطقة لانتخابات معادة في جو من الكآبة والمرارة.وفي الوقت نفسه انهارت هدنة عمرها عامان بين الدولة والجماعة الكردية المتشددة الرئيسية لتطلق العنان لفورة من الاشتباكات لم تشهد لها البلاد مثيلا منذ تسعينات القرن الماضي وتسببت في مقتل مئات من الناس. ويلقي كل فريق باللوم على الآخر.

كانت انتخابات يونيو حزيران تمخَّضت عن مأزق أفضى إلى طريق مسدود وأجبر البلاد على الذهاب إلى صناديق الاقتراع مرة ثانية يوم الأحد. وهذه المرة يسود الخوف والقلق بدلا من مشاعر البهجة والفرح في ديار بكر المدينة الرئيسية بجنوب شرق تركيا والإقليم المحيط بها. وأُلغيت التجمعات الانتخابية ويقف أعضاء جماعات شبابية متشددة عند حواجز الطرق وتظهر على جدران المباني ثقوب حديثة لطلقات نارية.

وقال إدريس بالوكن المسؤول الرفيع في حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد وأبرز مرشحيه في ديار بكر "صمت الأكفان بدل الحماس لصندوق الاقتراع."

وقال في مكتبه بينما كان دوي صوت طائرة فوق الرؤوس "لم يبق سوى أقل من أسبوع على الانتخابات وظلال المدافع وأزيز الطائرات تخيم على كل مكان في كردستان."

وظلت آثار الصراع ماثلة في الأزقة في حي سور القلب الأثري لمدينة ديار بكر الذي كانت تدوي فيه التراشقات بالأسلحة النارية والانفجارات ليلا ونهارا في اشتباكات بين قوات الأمن ومتشددي حزب العمال الكردستاني أثناء حظر التجول في الشهرين الماضيين.

وسيطر رجال الشرطة على الخنادق والمتاريس التي نصبها الجناح الشبابي لحزب العمال الكردستاني في أركان الشوارع لكن جدران المنازل والمتاجر والمباني العامة لا تزال تظهر عليها آثار الأعيرة النارية. وألحقت المعارك المسلحة خارج مسجد كورسونلو الذي يرجع إلى القرن السادس عشر أضرارا كبيرة بواجهته.

ويقول حزب العدالة والتنمية الذي أسسه الرئيس طيب إردوغان وحكم البلاد أكثر من عشر سنوات إن الأكراد ضحايا التخويف الذي يمارسه حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة جماعة إرهابية.

غير أن كثيرا من الناس في حي سور يصبون جام غضبهم على السلطات. ويقول حامد زنجين البالغ من العمر 67 عاما ويرتدي الزي الكردي التقليدي "ما فعلوه هنا كان اضطهادا. فقد أطلقت الشرطة النار على المنازل والمسجد. إنها سياسة قمعية لأن الناس هنا لم يصوتوا لهم."

ووصف ساكن آخر في المنطقة هو مراد سيار البالغ من العمر 43 عاما ويعمل في أحد المتاجر العنف بأنه "أسوأ مما كان في التسعينات."

والغى حزب الشعوب الديمقراطي الذي فاز في يونيو حزيران بكل مقاعد ديار بكر الأحد عشر ماعدا مقعدا واحدا تجمعات حملته الانتخابية بعد مقتل أكثر من 100 شخص في تفجيرين انتحاريين في مظاهرة مؤيدة للأكراد في أنقرة في العاشر من أكتوبر تشرين الأول وهو أسوأ هجوم من نوعه في تركيا الحديثة.

وكانت هذه ثالث ضربة للمصالح الكردية بعد تفجير لتجمع لحزب الشعوب الديمقراطي عشية انتخابات يونيو حزيران وهجوم انتحاري على اجتماع لنشطاء قرب الحدود السورية في يوليو تموز قتل فيهما 34 شخصا.

وقال المدعي العام لأنقرة يوم الأربعاء إنه يعتقد أن خلية لتنظيم الدولة الإسلامية هي المسؤولة عن الهجمات الثلاث جميعا.

غير أنه فضلا عن التفجيرات تدور يوميا معارك حولت أجزاء من جنوب شرق البلاد إلى ما يشبه منطقة حرب. ويكتفي المرشحون في الانتخابات الآن بالقيام بزيارات هادئة لدوائرهم الانتخابية بدلا من التجمعات الانتخابية الصاخبة في يونيو حزيران التي كانت تعلو فيها أصوات الموسيقى وتزدان فيها الشوارع بالرايات والأعلام.

ضحايا الترهيب

يشعر الجميع بالخوف سواء كانوا يؤيدون حزب العمال الكردستاني أو يعارضونه. وعبر الكثير من السكان المحليين عن القلق من أعضاء حركة الشباب الثوري الوطني الذين يخفون وجوههم بالأوشحة ويتعاركون مع الشرطة وينصبون المتاريس والحواجز لمعاينة وثائق الهوية.

بدأ حزب العمال الكردستاني التمرد عام 1984 ومنذ ذلك الحين لقي ما يربو على 40 ألف شخص حتفهم ويلقي أبو بكر بال مرشح حزب العدالة والتنمية عن دياربكر باللوم على هذا التمرد في الجو السائد حاليا.

وقال لرويترز "الناس يتعرضون لضغوط نفسية هائلة. إنهم يشعرون بالخوف والقلق. ولا يمكنهم التعبير عن أنفسهم بحرية. ولا ندري كيف سيكون أثر هذا على صندوق الاقتراع."

وكان حزب بال فاز بنسبة 14 في المئة من الأصوات في ديار بكر في يونيو حزيران أو ما يقل نحو 20 نقطة مئوية عن أدائه في عام 2011 لكنه يتوقع التعافي يوم الأحد لأن الناس يتوقون الى العودة إلى الاستقرار.

وكان التأييد لحزب العدالة والتنمية الذي أطلق في عهد إردوغان عملية سلام وأجرى إصلاحات تراعي مصالح الأكراد على قدم المساواة مع التأييد الذي تحظى به المعارضة الكردية في جنوب شرق البلاد. غير ان الحزب فاز بنحو ربع الأصوات فحسب في المنطقة في يونيو حزيران حينما فقد أغلبية على الصعيد الوطني.

وقال بال "لا أحد آخر لديه الشجاعة أن يفعل ما فعله العدالة والتنمية ببدء هذه العملية (السلمية) ولا توجد إرادة سياسية خارج حزب العدالة والتنمية قادرة على إتمامها."

غير أن كثيرا من الأكراد يتهمون حزب العدالة والتنمية بإشعال العنف في الجنوب الشرقي من أجل كسب التأييد على المستوى الوطني.

وفي حزب الشعوب الديمقراطي المعارض حذر بالوكن من عواقب وخيمة إذا لم يحترم حزب العدالة والتنمية إرادة الشعب يوم الأحد إذا لم تسفر الانتخابات مرة أخرى عن فائز بأغلبية واضحة. وشبه الوضع بسوريا حيث تقاتل ميليشيات كردية تنظيم الدولة الإسلامية وكذلك قوات الرئيس بشار الأسد.

وقال بالوكن "إذا لم يتم تفعيل البرلمان فإن تركيا قد تنزلق سريعا نحو الحرب الأهلية. والصراع الذي سنشهده في تركيا ودرجة الفوضى قد تصل في شدتها إلى ما يجري في سوريا."

عملية السلام "في العناية المركزة"

وكان إردوغان والحكومة أغضبا الأكراد بوصفه مرار ميليشيا وحدات حماية الشعب الكردية السورية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بحزب العمال الكردستاني بأنها خطر على تركيا يعادل خطر تنظيم الدولة الإسلامية.

ويقول الرئيس إن عملية السلام التي بدأها مع زعيم حزب العمال الكردستاني المحظور عبد الله أوجلان قبل ثلاثة أعوام هي الآن "في الثلاجة" وان مكافحة هذه الجماعة سوف تستمر حتى يلقوا أسلحتهم ويغادروا تركيا.

وقال بالوكن -وهو جزء من وفد حزب الشعوب الديمقراطي الذي زار أوجلان في سجنه بجزيرة إيمرالي- أثناء المحادثات إن عملية السلام في "العناية المركزة" لكنه أكد الحاجة إلى إحيائها. وقال "المجتمع التركي والشعب التركي يتوقعون عودة سريعة إلى عملية السلام ومائدة التفاوض."

وفي الأسواق المغطاة القديمة في حي سور بمدينة ديار بكر حيث يقول التجار إن الصراع نفر السياح الذي كانوا يترددون على متاجر الحلي والملبوسات والمنسوجات إن الناس يتوقون إلى العودة على الأقل إلى السلام النسبي الذي كانوا ينعمون به قبل يوليو تموز.

وقال غازي إنجي -وهو رجل ملتح يبلغ من العمر 48 عاما وهو يحتسي الشاي ويتحسر على فقدان دخله قبل العودة إلى عمله في إصلاح الأحذية- "الناس لا يريدون إلا الاستقرار والهدوء حتى يمكنهم الذهاب إلى أعمالهم وكسب أرزاقهم."

إعداد محمد عبد العال للنشرة العربية- تحرير سيف الدين حمدان

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below