12 تشرين الثاني نوفمبر 2015 / 18:55 / منذ عامين

تقرير خاص-رواية مهرب في مأساة شاحنة المهاجرين

مهاجر يقفو حاجز على طريق سريع بينما يقوم أفراد من الشرطة الفرنسية بتفتيش شاحنة يوم 15 أكتوبر تشرين الأول 2015. تصوير فيليب ووجازيه - رويترز.

زاخو (العراق) (رويترز) - صورة تلو الصورة ظل صديق سيفو يزين صفحته على الفيسبوك بكل أشكال الترف في أوروبا وإغراءاتها.

ففي إحدى الصور يقف سيفو الشاب العراقي الكردي تحت برج إيفل وفي أخرى يقف في مطعم تغمره أنوار مصابيح النيون في روتردام. وفي ثالثة يبتسم ابتسامة عريضة أمام الكاميرا بجوار قطار في ميلانو.

لكنه توقف عن بث الصور في أغسطس آب الماضي. وقال سيفو إن ذلك كان الشهر الذي ساعد فيه في تهريب خمسة من بني جلدته من أكراد العراق إلى أوروبا. وانتهى بهم الحال جثثا هامدة مع 66 مهاجرا غيرهم في شاحنة مهجورة على أحد الطرق السريعة في النمسا.

ومثل سيفو جاء كثيرون من القتلى في الشاحنة من كردستان العراق لينضموا إلى مئات الآلاف من المهاجرين الذين دخلوا أوروبا بطرق مخالفة للقوانين هذا العام فرارا من الحرب الأهلية أو العنف الطائفي أو من حكومات قمعية في دول مثل سوريا وأفغانستان وإريتريا.

وكثير من هؤلاء المهاجرين شبان مستعدون للمجازفة بحياتهم من أجل فرصة حياة الاستقرار والثراء. وتسلح هؤلاء بعزيمتهم وساعدتهم في ذلك أعدادهم الكبيرة ومهربو البشر.

ويلعب وسطاء تهريب البشر من أمثال سيفو الدور المحوري في العديد من رحلات المهاجرين. فقد كان هو أول حلقة في سلسلة من الناس الذين ساعدوا الخمسة في القيام برحلتهم من شمال العراق عبر تركيا وبلغاريا وصربيا والمجر ثم النمسا في نهاية المطاف.

قال سيفو لرويترز في مقابلة هاتفية في أكتوبر تشرين الأول ”عندي خبرة ممتازة في مجال التهريب. فقد عملت منذ أكثر من سبع سنوات في قطاع التهريب... وكنت آخذ الناس من كردستان إلى تركيا ومن تركيا إلى اليونان سيرا على الأقدام وبالسيارة.“

ومثل الآلاف الذين يتدفقون من أمريكا الوسطى على الولايات المتحدة أو الروهينجيا البورميين الذين يتدفقون على تايلاند وماليزيا يعتمد المسافرون المخالفون للقوانين في مختلف أنحاء العالم على صناعة تديرها شبكات من المغامرين المجرمين.

وتقول الوكالة الأوروبية للرقابة على الحدود (فرونتكس) إنه تم القبض على أكثر من 3000 مهرب للبشر في أوروبا في الربع الثاني من 2015 وهو أكبر عدد يلقى القبض عليه في مثل هذه الفترة منذ بدأ تسجيل البيانات في عام 2007 غير أن أجهزة إنفاذ القانون المشتتة لا تتمكن في كثير من الأحيان من تفكيك هذه الشبكات لتفرقها وتعقيدها.

وكان ما حاق بالعراق من تفكك أحد المصادر الرئيسية لنشاط المهربين. فقد أدى القتال منذ بداية عام 2014 إلى نزوح أكثر من ثلاثة ملايين عراقي عن ديارهم.

وقال نائب منسق الأعمال الإنسانية التابع للامم المتحدة في العراق إن عشرة ملايين عراقي سيحتاجون إلى دعم انساني بنهاية العام الجاري.

وقد وصل نحو 6000 عراقي إلى اليونان أو إيطاليا في عام 2015 وفقا لبيانات المنظمة الدولية للهجرة وهو ما يعادل خمسة أمثال العدد في العام الماضي.

وحتى الآن ألقت الشرطة المجرية القبض على خمسة رجال -هم أربعة بلغار وأفغاني- فيما يتصل بحادث القتلى في الشاحنة. وتم أيضا اعتقال رجل في بلغاريا. ووافق المدعي العام في المجر على تولي التحقيق في القضية. ولم يعلن المدعون في بودابست حتى الآن ما إذا كانوا سيوجهون اتهامات بالقتل لأحد.

وعاد سيفو إلى العراق حيث اختبأ عن الأنظار بعد أن قدمت أسرتا اثنين من المهاجرين الذين ساعدهم بلاغات عنه لأجهزة الأمن التركية. ويقول سيفو إنه ليس لديه ما يعتذر عنه ويحمل المسؤولية لمهرب كردي آخر يدعى بيوار وصفه بأنه الحلقة الضعيفة في الشبكة.

ويقول سيفو إن بيوار كان من الغباء بحيث ائتمن اثنين من المهربين الآخرين على الرجال الخمسة دون التحقق منهما.

ولم تستطع رويترز الوصول إلى بيوار ولم يتضح مدى الصلة التي تربط سيفو بمهربين آخرين في الشبكة في أوروبا. ويحرص سيفو على أن يتبرأ من هؤلاء الآخرين لاسيما بيوار.

وامتنعت الشرطة في كل من النمسا والمجر عن التعليق على التحقيقات التي تجريها. وقال مصدر دبلوماسي إن المجر لديها اتفاق لتبادل المجرمين مع العراق يرجع تاريخه إلى عام 1977 لم تستعمله منذ سنوات.

وقال سيفو لرويترز إنه لا يدري ماذا حدث للشاحنة لكنه يعتقد أن عملية تفتيش من جانب الشرطة دفعت السائق لترك الشاحنة والهرب ولذا نفد الاكسجين ممن كانوا بداخل الشاحنة.

وكانت المرة الأخيرة التي تحدث فيها مع بيوار في الأول من سبتمبر أيلول إذ اتصل به بيوار من اليونان لمعرفة ما حل بالرجال الخمسة.

وقال سيفو ”بيوار هو المسؤول لأنه عندما نقل المهمة ... لم يحصل على أي معلومات. بل وحتى الآن لا نعرف الحقيقة.“

* إحباطات

وكان اثنان من الرجال الذين تعامل معهم سيفو من الأقارب وقد خدما في قوات البشمركة التي تمثل القوات المسلحة لإقليم كردستان الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي في شمال العراق. وهما ينتميان لأسرتين ميسورتي الحال في دهوك ثالث أكبر مدن إقليم كردستان.

كان أصغرهما سميان ناصر محمد (25 عاما) الذي ظل يفكر في الرحيل عن العراق على مدى شهور. ووصفه والده بأنه كان هاديء الطباع حلو المعشر وقال إنه كان يحب تربية الحيوانات. وكان الأب يريد منه الاستقرار والزواج لكن محمد قال إنه سينتظر حتى تنتهي الحرب.

أما الثاني فهو نشوان مصطفى رسول (28 عاما) وكان يمتلك سيارة ويحب الاستماع لأغاني الفنانة اللبنانية إليسا وأغاني ابراهيم تاتليس وهو مغني كردي في تركيا. وكان يحب فيلم أبوكاليبتو للممثل والمخرج ميل جيبسون الذي تدور أحداثه في أمريكا الوسطى قبل اكتشاف كولومبوس للامريكتين. وكان سباحا ويحب قضاء وقت في الريف.

كان الاثنان يشعران باستياء متزايد من الحياة في كردستان. وقد حاربا تنظيم الدولة الإسلامية في تل أسقف وهي قرية مسيحية تقع إلى الشمال من مدينة الموصل. غير أنهما لم يحصلا على رواتبهما لمدة ثلاثة أشهر شأنهما شأن أغلب العاملين في الجهاز الحكومي بسبب أزمة اقتصادية في إقليم كردستان في العام الماضي.

وقال سرباست الشقيق الأكبر لرسول في مقابلة في منزل الأسرة ”كانا يتذمران من عدم الاستقرار ومشاكل الكهرباء والبنزين أيضا. وفضلا السفر بحثا عن الاستقرار واليسر ... من الناحية النفسية لم يكن (رسول) مرتاحا. لا أحد منا مرتاح بعد الأزمة الاقتصادية.“

وقال رفينج جلال ابراهيم زوج أخته إن رسول كان يشعر بالقلق من المستقبل وعدم وجود فرص في كردستان. وأضاف ”يحاربون من أجل بلادهم لكن بلدهم لا يفعل شيئا لهم.“

وعندما عاد رسول ومحمد في عطلة في أوائل أغسطس آب أخبرا الأسرتين أنهما راحلان عن العراق. وحاول الأبوان إثناءهما لكنهما لم ينصتا لأحد.

كان رسول قد اتصل بالفعل بصديق سيفو الذي كان يعرف الأسرتين فيما سبق.

* الدليل

وسيفو من مدينة زاخو القديمة الواقعة على الحدود بين إقليم كردستان العراقي وتركيا. قال لرويترز إنه في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة كان يعمل دليلا - وهو يفضل استخدام هذه الكلمة على كلمة مهرب - وإنه ساعد في انتقال ما بين 100 و150 شخصا إلى أوروبا. لكن ألقي القبض عليه في عام 2007 بتهمة التهريب وقضى نحو ثمانية أشهر في السجن. وعند الإفراج عنه عمل في مهنة الطلاء وفي أعمال البناء بما في ذلك فترة قضاها في اليونان.

وعاد سيفو من اليونان في الأول من أغسطس وقال إن الشبان بدأوا يتصلون به بعد أيام لإبداء رغبتهم في السفر إلى أوروبا وطلب مساعدته. وكان رسول من هؤلاء الشبان.

وقال سرباست شقيق رسول الأكبر إن سيفو طلب من كل من الشابين ثمانية الاف دولار لتسفيرهما إلى ألمانيا. وساومه الاثنان واستطاعا تخفيض المبلغ إلى 7500 دولار وباع رسول سيارته بمبلغ 18900 دولار لسداد المطلوب.

وفي بعض الأحيان يطلب المهربون في كردستان من الراغبين في الهجرة إيداع المبالغ لدى طرف ثالث موضع ثقة يتولى تحويل المبلغ عندما يصل المهاجر إلى أوروبا. ومع ذلك ففي أغلب الأحوال يحول المهاجرون المال ببساطة عندما يصلون إلى وجهتهم.

وقال أقارب الشابين إن سيفو لم يطلب من رسول ومحمد دفع المبلغ مقدما لأنه كان واثقا أنهما لن يغشاه.

وتحدث سرباست مع سيفو الذي طمأنه أن الطريق إلى بلغاريا آمن. وقال سيفو إنه طلب من الاثنين السفر إلى اسطنبول حيث سيقابلهما.

وأضاف سيفو أنه لا ينوي العودة إلى نشاط التهريب. وقال إنه كان يقدم ببساطة خدمة للخمسة بإعطائهم أرقام هواتف المهربين. وقال إنه قدم أرقام الهواتف دون مقابل.

* الرحلة

في مساء 11 من أغسطس آب رافق أقارب رسول ومحمد أبناء عمومتهم الى محطة حافلات في دهوك. وكان من المقرر ان تصل الحافلة الساعة التاسعة مساء لكنها تأخرت. وتجاهل الرجلان المتحمسان اللذان نفد صبرهما نداءات اللحظة الأخيرة لهما بالبقاء وفي نهاية الأمر غادرا المدينة في منتصف الليل.

وعندما وصلا إلى إسطنبول في وقت مبكر من صباح اليوم التالي كان سيفو هناك بالفعل.

وبعد بضعة أيام وصل ثلاثة شبان آخرين من زاخو مسقط رأس سيفو. وغادر الثلاثة دون ان يبلغوا أباءهم بذلك وفقا لما قاله أقاربهم.

وقال والد أحد الفتية انه تحدث إلى سيفو عن طريق الهاتف وحثه على إعادة ابنه إلى منزله. وقال ”أبلغته بأنني لا أريده أن يذهب. أتوسل اليك ألا تأخذ ابني.“

لكن وفقا لما قاله سيفو فإنه في وقت ما في منتصف أغسطس اب أخذ مهرب معروف لدى سيفو العراقيين الخمسة ونقلهم بحافلة صغيرة ومعهم ما بين 20 و40 شخصا آخرين من إسطنبول الى أدرنة قرب الحدود التركية مع اليونان وبلغاريا.

ونزل الركاب من الحافلة الصغيرة وساروا على الأقدام. وتستغرق المسافة بين 7 و10 ساعات سيرا على الأقدام عبر الحدود لكن محمد أصيب بوعكة صحية في الطريق واستغرق الأمر منهم أكثر من يوم كامل. وبعد أن دخل الرجال بلغاريا انتقلوا بسيارة إلى العاصمة صوفيا حيث وضعوا في شقة سكنية. وقال سيفو ان الخطة كانت أن يواصلوا الرحلة إلى صربيا لكن المجموعة اضطرت للانتظار حتى يتعافى محمد. وغادروا في نهاية الأمر متأخرين يوما في 22 من أغسطس اب.

وكان سيفو أعطى للرجال رقم هاتف مهرب من زاخو يعمل في بلغاريا. واتصل الرجال الخمسة بالمهرب الذي نقلهم في سيارة فيات من صوفيا إلى الحدود الصربية وذلك وفقا لما قاله سيفو.

وتبين صور نشرت في 22 أغسطس آب على صفحات هؤلاء الرجال في موقع فيسبوك الثلاثة من زاخو وهم يستريحون في غابة ويضعون على ظهورهم حقائب ضخمة.

وقال سيفو ان الرجال وصلوا الى صربيا يوم 23 من اغسطس اب. وسجلتهم الحكومة على انهم طالبوا هجرة وأرسلتهم الى بلجراد.

وفي كردستان تلقى سارباست الأخ الأكبر لرسول مكالمة من سيفو الذي اعطاه رقم هاتف ليتحدث إلى شقيقه. وتذكر سارباست ان مهربا رد على المكالمة ونقل الهاتف الى رسول الذي أكد ان الرجال وصلوا الى صربيا. كان الوقت مساء في حوالي الثامنة. وأمسك أحد الرجال من زاخو بالهاتف وقال لسارباست ”لن ننفصل. سنواجه أي موقف معا سواء كان جيدا أم سيئا. وسنهتم بعضنا ببعض الى ان نصل الى ألمانيا.“

وكانت آخر مرة تلقى أقارب الرجال فيها مكالمات منهم مساء يوم 24 من أغسطس اب قبل ساعات من توجههم إلى المجر. وقال سارباست ”أبلغوني أنهم في شقة سكنية لكنهم لا يعلمون متى سيتحركون.“

* الشاحنة

قال سيفو انه اعطى للرجال وسيلة الاتصال باثنين من المهربين. وأضاف ان الرجال اتصلوا بأحد المهربين ويدعى بيوار الذي قال لهم انه يمكنه نقلهم الى ألمانيا.

وقال سيفو ان المسافرين بدأوا رحلتهم في حوالي الساعة 10 أو 11 مساء يوم 24 من أغسطس اب. وهي تستغرق نحو ساعتين سيرا على الأقدام عبر الحدود الصربية المجرية لذلك ربما وصلوا إلى المجر في حوالي منتصف الليل.

وسلم بيوار الذي كان يرافقه مترجم الرجال الخمسة الى مهرب أفغاني. وقال سيفو الذي كان على اتصال مع بيوار ان مجموعة أخرى من المهاجرين الذين كان يقودهم مهرب كردي انضموا الى مجموعة بيوار.

واستنادا الى الافتراض بأن الرجال وصلوا في المجر في حوالي منتصف الليل فان سيفو يعتقد ان الرجال ركبوا الشاحنة في حوالي الساعة الواحدة أو الثانية صباحا.

وفي حوالي منتصف نهار 25 من اغسطس اب تحدث سيفو الى بيوار الذي قال ان الرجال الخمسة وصلوا بسلام إلى ميونيخ.

وقال “أنا سألته (كيف علمت ؟). ورد بيوار بقوله انه تحدث الى واحد من رجال زاخو في حوالي الساعة 5.30 صباحا الذي قال له ان الرجال في مقطورة مع 120 شخصا آخرين.

ويعتقد سيفو الآن ان الرجال لم يعرفوا الفرق بين مقطورة وشاحنة وبالغوا في عدد الركاب الذين كانوا على متنها. أو ربما أساء بيوار فهمه.

وقال سيفو للأسر في كردستان انهم جميعا في حالة جيدة.

وسارباست الذي لم يتمكن من الاتصال بشقيقه سأل سيفو عن رقم يتصل به. لكن سيفو قال انه ليس لديه رقم. واضاف ان الرجال ربما سلموا انفسهم للشرطة أو أنهم اختبأوا.

واتصل سارباست بسيفو كل ساعة. وقال ”طلب مني ان أتحلى بالصبر.“

ويوم 27 من أغسطس اب عثرت الشرطة النمساوية على شاحنة تبريد ممتلئة برفات متحللة تخص 71 شخصا. وعندما شاهد سارباست الأخبار على شاشة التلفزيون اتصل بسيفو.

وقال سارباست ”أصبحت شديد التوتر ثم شعرت بالقلق.“

بحلول هذا الوقت كان سيفو عاد إلى زاخو. وأبلغ سارباست أن محمد ورسول لم يكونا في الشاحنة. وكانت الشرطة النمساوية تقول انه عثر على الجثث بعد يومين من الوفاة. ويعتقد سيفو أيضا ان المركبة التي سافر فيها الاثنان لم تكن شاحنة تبريد وانما مفتوحة.

وقال سيفو انه اتصل بأصدقاء وزملاء من المهربين للحصول على معلومات عن الرجال. وكان هاتف بيوار مغلقا. وظن سيفو انه في السجن لأن الشرطة النمساوية اعتقلت المهربين بعد العثور على الشاحنة.

وسارباست الذي أصبح بحلول ذلك الوقت بائسا طلب من قريب له في المانيا ان يذهب الى النمسا.

* الرائحة

بدأت الشرطة في تحديد هوية أصحاب الجثث.

وقال كريستسان روزينيخ نائب رئيس قسم الهوية بالشرطة في منطقة بورجنلاند ان العملية كانت صعبة. وقال ”أنت لا تنسى الرائحة. وفي اليوم الأول تكون الرائحة مختلفة عما هي في وقت لاحق.“

ويعمل روزينيخ من مكتب صغير ممتلئ بالملفات وأصص النباتات في مقر شرطة ايزنشتات وهي بلدة هادئة يبلغ عدد سكانها 14 ألف نسمة. وكان يرتدي سترة رياضية ويدخن بشراهة.

وقال ”استهلاكي في السجائر تجاوز السقف.“

وتعين على شرطة بورجنلاند التعامل مع مئات المكالمات من كردستان وأفغانستان وأماكن أخرى. وأنشأوا مركزا للمكالمات مع اثنين من المترجمين الفوريين الذين يتحدثون عدة لغات وأذاعوا تفاصيل اتصالات الشرطة في التلفزيون الكردي.

وبدأت الأسر إرسال صور أو نسخ من جوازات السفر وشهادات الميلاد وبصمات الأصابع. وتحدث المترجمان الفوريان الى الأسر عن طريق موقعي واتساب وفيسبوك. وقارنت الشرطة الملابس والحقائب بين الجثث والصور التي نشرت على صفحات فيسبوك.

ومعظم الموتى لهم أسر في أوروبا. وبعض الأقارب توجهوا جوا الى النمسا لإعطاء عينات من الحمض النووي. وعندما تعطي المضاهاة نتيجة إيجابية كانوا يدفعون ثلاثة آلاف الى أربعة الاف يورو لنقل الجثة الى الوطن.

وفي صباح أحد الأيام في نهاية سبتمبر أيلول وضع روزينيخ متعلقات بعض الموتى في أكياس محكمة الإغلاق لإرسالها الى الوطن مع الجثث. وكانت عبارة عن خواتم ومبالغ نقدية عثر عليها مثبتة في جيوب السراويل وآيات مكتوبة بخط اليد من القرآن. وقال ”انت تركز تماما على حالة واحدة“. واضاف ”تتعامل مع كل حالة ثم تبدأ في التالية“.

وبعض الجثث عثر معها على بضع عملات معدنية. وكان مع إحدى الجثث 2000 يورو (2144.60 دولار) نقدا مغمورة في سوائل الجسم. وجلبت شرطة بورجنلاند المبالغ النقدية الى ناشيونال بنك النمساوي في فيينا لتغييرها الى أوراق نقد نظيفة. وقال روزينيخ ”إنه ميراثهم المالي وعلينا تسليمها بأفضل وسيلة في الإمكان.“

ويشعر معظم الأقارب بالامتنان للطريقة التي تعاملت بها النمسا مع الجثث. لكن البعض غضبوا ونفد صبرهم. واتصل رجل كردي ليشكو من ان اختبار الحمض النووي يستغرق وقتا طويلا. وقال انه يعرف انه يستغرق نصف ساعة فقط لأنه يتابع مسلسل سي.إس.آي ميامي على شاشة التلفزيوني الأمريكي.

وحددت الشرطة الآن هويات أكثر من 90 في المئة من الموتى.

*الجنازات

تم التعرف على جثتي رسول ومحمد بسرعة. قارن النمساويون بصمات الأصابع من جثة مع جواز سفر رسول. وتم التعرف على محمد بما لا يدع مجالا للشك يوم 16 من سبتمبر أيلول بفضل مضاهاة الحمض النووي بينه وبين عمه الذي جاء لتقديم طلب بشأن شخص مفقود.

ونقلت الجثتان الى الوطن في عطلة عيد الأضحى. ودفنا جنبا إلى جنب في جبانة تقع على تل يطل على دهوك.

واستغرق الرجال من زاخو فترة أطول للتعرف عليهم. واحتوت حقيبة تخص أحدهم عثر عليها في مؤخرة الشاحنة على صور جوازي سفر أحدهما لأمه والآخر لوالده حسبما قالت اسرته. لكن في ذلك الوقت وضعوا أملهم في شائعات عن مشاهدة الرجال في السجن. وثبت ان هذا الأمل كاذب وأعيدت جثث الرجال الثلاثة إلى الوطن في أكتوبر تشرين الأول.

ويصر سيفو على انه لا يتحمل أي لوم - وأنه كان يساعد فحسب. وقال انه عندما اتصل بيوار به من اليونان في أول سبتمبر ايلول ”طلبت منه العودة الى كردستان وتسليم نفسه للسلطات.“ وبدلا من الدفاع عن نفسه سلم بيوار الهاتف لصديق وصف الأحوال في طرق التهريب.

وابلغ الصديق سيفو ”هناك قتل ونهب وكل الأشياء لذلك أناشدكم ان تشرحوا لأسر الخمسة (الأوضاع) وألا يقدموا شكاوى ضد بيوار.“

وقال سيفو للرجل ان هذا مستحيل. وقال ”إنني أشعر حقا بالحزن لما حدث لكنها لم تكن غلطتي.“ وأضاف ”كنت أساعدهم“.

إعداد منير البويطي ورفقي فخري للنشرة العربية - تحرير محمد عبد العال

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below