20 تشرين الثاني نوفمبر 2015 / 16:13 / بعد عامين

مقال-الدولة الإسلامية أصبحت خطرا وجوديا على الغرب

((هذا المقال كتبه جون لويد أحد مؤسسي معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أوكسفورد والآراء الواردة فيه آراؤه الشخصية))

الرئيس الفرنسي فرانسوا أولوند في قصر الإليزيه بباريس يوم الجمعة - صورة لرويترز من ممثل لوكالات الأنباء.

من جون لويد

(رويترز) - يميل الأوروبيون -وهذا ليس بخفي- للتعالي على الأمريكيين. الفرنسيون خاصة.. لكن الاتجاه متأصل حتى في ”العلاقة الخاصة“ مع المملكة المتحدة.

خلال لقاءات جرت مع أفراد بأجهزة استخباراتية -معظمهم متقاعد- من أجل مشروع لمعهد رويترز كنت أسمع غالبا أن كبار الضباط البريطانيين كان لديهم اعتقاد بأن عبارة ”الحرب على الإرهاب“ عبارة غبية وأنهم لم يستخدموها قط. كانوا يرون أنها ليست حربا. الصراع ليس ”وجوديا“ بل تحد خطير من متشددين خطرين: صعب وشديد لكن له نهاية.

الأمر اختلف الآن. فرانسوا أولوند رئيس فرنسا الاشتراكي قال إن المذبحة التي شهدتها باريس مساء الجمعة الماضي ”عمل من أعمال الحرب.“ والبابا فرنسيس قال في قداس لإحياء ذكرى 100 ألف جندي إيطالي قتلوا في الحرب العالمية الأولى (وكان جده واحدا من الجنود الذين نجوا منها) إن ”بالإمكان التحدث عن حرب ثالثة.. واجهنا على مر الزمن جرائم ومذابح ودمارا.“

لم يعد الأوروبيون متعالين: فباريس في يوم الجمعة 13 نوفمبر تشرين الثاني 2015 وحدت أوروبا في سكرة غضب - غضب عارم حتى أن الرئيس الأمريكي هو من يشعر الآن بأن عليه أن يذكرنا بواجب استقبال لاجئين من سوريا.

هناك تحول آخر. جوزيف بايدن نائب الرئيس قال في لوس انجليس يوم الاثنين ”أقول للشعب الأمريكي: لا خطر وجوديا على الولايات المتحدة. داعش لا يمكنها فعل شيء يسقط الحكومة ويهدد نمط حياتنا.“

لكن الرجل الذي قاد القوات المسلحة البريطانية من عام 2010 إلى عام 2013 يرى أن هذا ليس سوى شعور بالرضا غير المحمود. فقد قال الجنرال ديفيد ريتشاردز في مهرجان في يونيو حزيران هذا العام إن الخطر وجودي ”ونحن بحاجة للتعامل مع قضية تطرف المسلمين هذه على نفس النحو الذي كنا سنتعامل به مع الحرب العالمية الثانية لو رجع بنا الزمن للثلاثينات.“ وفي كتاب نشر في الآونة الأخيرة قال إنه أبلغ رئيس الوزراء البريطاني بأنه تنقصه الشجاعة اللازمة للمبادرة بقتال الدولة الإسلامية لأنه تتملكه رغبة مسيطرة في أن يظهر ليبراليا.

وهناك ثلاثة أسباب رئيسية تجعل ريتشاردز محقا وبايدن مخطئا. أولها كابوس ظل يطارد الساسة وأجهزة المخابرات على مدى حوالي ثلاثة عقود ويتمثل في أن دولا مارقة و/أو جماعات إرهابية ستحصل على أسلحة دمار شامل. ورد هذا في ”في مركز العاصفة“.. مذكرات جورج تينيت مدير وكالة السي.آي.إيه من 1996 إلى 2004. قض هذا الكابوس مضاجع رؤساء متعاقبين من كلينتون إلى بوش إلى أوباما ودفعهم لتدخلات في الخارج و(خلال رئاسة أوباما) للاستخدام المكثف للطائرات القاتلة بلا طيار. كما أنه جعل وكالة الأمن القومي (إن.إس.إيه) الآن صاحبة أكبر ميزانية في أي جهاز مخابرات في أي مكان بلا منافس. وهكذا أمكن رصد أول ”ثرثرة“ تكشف أن الكابوس تحول إلى دم ولحم.

ربما كانت الدولة الإسلامية هي التنظيم الذي يجسد ذلك الكابوس نظرا لما لديها من مال يتيح لها شراء الخبرة اللازمة لصنع أسلحة دمار شامل. ووجد تحقيق استقصائي أجرته الفاينانشال تايمز الشهر الماضي أن داعش تدير في المناطق التي تسيطر عليها بالعراق ”عملية واسعة تماثل تقريبا عمل شركة نفط حكومية... تشغل عمالا مهرة من مهندسين إلى مدربين ومديرين وتنتج حوالي من 34 إلى 40 ألف برميل يوميا. يباع النفط عند الآبار بما بين 20 و45 دولارا للبرميل مما يدر على المتشددين 1.5 مليون دولار يوميا في المتوسط.“

فإن نحن وضعنا المال إلى جانب الخبرة وفلسفة عدمية-إسلامية سنجد سلاحا من أسلحة قوة الدمار الهائل مصوبا إلى كل من الغرب والشرق.

ثانيا.. تمول الدولة الإسلامية زيادة كبيرة في قدرات حربها الإلكترونية. وقال جورج أوزبورن وزير المالية البريطاني يوم الثلاثاء إن ”وحشية داعش المولعة بالقتل يدعمها عنصر رقمي قوي. وبينما يستخدم كثيرون جدا الإنترنت لتعزيز الحريات وإضفاء القيم الليبرالية والإبداع على التعبير تستخدمه هي في الشر.“

والهجمات الإلكترونية التي يخطط لها خبراء تشفير يمكن أن تعطل أنظمة ترتبط بالصحة والطاقة ومراقبة المرور الجوي ومحطات الطاقة النووية وغيرها كثير: والتكلفة البشرية يمكن أن تصبح سريعا بعشرات الآلاف إن جرى التنسيق لها عن كثب.

ثالثا فإن داعش تملك أكثر من أي جماعة أخرى من الجماعات الإسلامية القدرة على اجتذاب أعداد ضخمة من المسلمين الشبان -بنين وبنات- إلى سوريا والعراق للقتال معها أو للبقاء في البلدان التي ولدوا فيها ويصبحوا عدوا لهذه الدول داخل هذه الدول. ويبدو أن إغراء الموت والقتل و”الثأر“ عنصر جذب قوي - يزداد تضخما فيما يبدو بالساعات التي قضاها كثير من الجهاديين الشبان أمام شاشة تمتليء بصور ”الصليبيين“ واليهود وهم يقتلون مسلمين. وهكذا تكون هناك شبكة مؤيدين يمكن أن تكون نشطة في معظم البلدان الغربية إما تشربت بالأفكار المتطرفة أو كانت أهدافا مستقبلية لتشرب الأفكار المتطرفة. وما من سبيل -خارج دولة شمولية مغلقة- لمراقبتهم جميعا طوال الوقت.

وضمانات المجتمع الديمقراطي الخاضع لحكم القانون تضع حدودا: قال عضو بالمديرية العامة للأمن الداخلي بفرنسا لجاك فولورو الصحفي في لوموند ”عليك أن تضع أولويات. إذا لم يكن الفتية قد ارتكبوا أي جريمة فمن العسير تبرير تسجيل أحاديثهم الهاتفية. ليس بوسعك أن تضع أناسا لا تملك ضدهم دليلا تحت المراقبة 24 ساعة.“

وهذه ليست كأي حرب أخرى كما أن أسلحتها ليست كأسلحة الحروب السابقة. وتقف في مواجهة الدولة الإسلامية القوة العسكرية للولايات المتحدة والدول الأوروبية والآن.. القوة الروسية. وبمقدور هذه القوى بالقطع بجيوشها وما أوتيت من تكنولوجيا مخابراتية أن تدمر قوة تسعى لهدم حضارة القرن الحادي والعشرين وإحلالها بسلطة دينية من سلطات القرون الوسطى.

لكن يصب في صالح أنصار هذه السلطة الدينية عزوف مجتمعات الغرب الليبرالية الاستهلاكية عن الاستعداد للحرب أو إحاطة نفسها بأنظمة أمنية جديدة تكبل حرية الحركة والترفيه أو ضياع أو تقييد المعايير الليبرالية التي تعتبرها لا غنى عنها. كما يصب في صالحهم كراهية متأصلة تصل إلى حد جعل شبان يسيرون بين جثث شبان آخرين وشابات ويطلقون النار على من يتحرك منهم ثم يفجرون أنفسهم. ويصب في صالحهم عدم إدراكنا لمدى الخطورة التي يبدون عليها.

هذا في رأيي خطر يضاف إلى خطر الحرب: وهو خطر وجودي. خطر على وجودنا.. وعلى نمط حياتنا.

إعداد أمل أبو السعود للنشرة العربية - تحرير محمد هميمي

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below