28 كانون الثاني يناير 2016 / 16:33 / منذ عامين

اعتداءات كولونيا تكشف عدم استعداد ألمانيا لتحديات الهجرة

مهاجرون من منطقة البلقان في منطقة قربة كولونيا يوم 12 نوفمبر تشرين الثاني 2015 - رويترز

كولونيا (ألمانيا) (رويترز) - ظلت جموع الشبان السكارى تتجمع لساعات خارج محطة السكك الحديدية الرئيسية في كولونيا ليلة رأس السنة حتى أخطرت شرطة المدينة المكتب المسؤول عن تنسيق القوات في المنطقة أنها تريد إخلاء الساحة.

ويقول مكتب تنسيق قوات الشرطة إنه عرض إرسال تعزيزات وقال تقرير من شرطة المدينة إن الضابط المسؤول قرر أنه لا فائدة ترجى من وراء طلب المساعدة لأن التعزيزات ستصل بعد فوات الأوان.

كانت مدينة كولونيا التي يتجاوز عدد سكانها مليون نسمة قد استعانت بعدد 142 شرطيا إضافيا لتغطية فترة العطلات. وبدأ أغلبهم نوبة عمله الساعة العاشرة مساء.

وكما عرف كل الألمان فيما بعد كانت قوة الشرطة الصغيرة غير قادرة على منع هذه الجموع المحتشدة في تلك الساحة من ارتكاب مئات الاعتداءات على النساء وسرقة أشياء ثمينة منهن وتحسس أجسادهن بل واغتصابهن.

وأدت هذه الأحداث إلى وقفة مع النفس في بلد سمح بدخول عدد لم يسبق له مثيل بلغ 1.1 مليون مهاجر في العام الماضي فيما وصفته قيادات ألمانية بأنه من أفعال الكرم التاريخية تجاه اللاجئين.

وبدأ الألمان يتقبلون فكرة التغيير على نطاق واسع بعد أن كانوا يتباهون على مدى أجيال أنهم مجتمع منظم لا يحتاج حفظ الأمن العام فيه إلا لجهد بسيط.

وقال فولفجانج بوسباخ عضو البرلمان عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي تنتمي إليه المستشارة أنجيلا ميركل ويمثل دائرة انتخابية قريبة من كولونيا "في الماضي كان النهج الهادئ للشرطة وتركيزها على التهدئة مرغوبا. لكن ظهرت في السنوات الأخيرة علامات تحذيرية أن هذا قد لا يكون مناسبا الآن."

ويقول مدعون في كولونيا إن الشرطة تلقت 945 شكوى مرتبطة بأحداث تلك الليلة من بينها 434 شكوى عن جرائم جنسية.

وبعد أربعة أسابيع أصبح لدى المدعون 35 شخصا تدور حولهم الشبهات أغلبهم بسبب النشل والسرقة في حين أن الشبهات تحوم حول ثلاثة فقط في الجرائم الجنسية.

ولا تحتجز الشرطة سوى تسعة من هؤلاء. وأغلب المشتبه بهم من شمال أفريقيا أي المغرب والجزائر وتونس.

وقالت إحدى الضحايا وتدعى هنريكه (18 عاما) لرويترز إنها تعرضت لمضايقات وتحسس جسدها واعتداء جنسي من جانب مجموعة من الشبان يبدو أنهم من شمال أفريقيا خارج المحطة عندما توجهت لمشاهدة عرض الألعاب النارية في المدينة.

وقالت إنها خشيت أن تتعرض للاغتصاب عندما أحاطت بها مجموعة من نحو 25 شابا هي وصديقتين لها وحاول الشبان خلع تنوراتهن.

وأضافت "كانوا مثل الحيوانات ... شعرت وكأن 20 ألف يد تلمسني في وقت واحد."

ونشرت وسائل إعلام ألمانية تقارير عن اعتداءات جنسية وسرقات مماثلة وقعت على نطاق أصغر في 12 ولاية من بين ولايات ألمانيا الستة عشرة.

* "أوروبا التي نريدها"

لم يكن هذا ما وعد به الساسة العام الماضي. وعندما كان مئات الآلاف من المهاجرين يتوافدون على شواطئ الاتحاد الاوروبي في ايطاليا واليونان العام الماضي اتخذت ألمانيا قرارا جريئا فقررت الترحيب بكل اللاجئين الهاربين من الحرب الأهلية في سوريا بغض النظر عن الكيفية التي دخلوا بها الاتحاد الاوروبي.

وقالت المستشارة ميركل إن ألمانيا بلد غني يمكن أن يؤدي دوره في قبول بعض من أشد الهاربين من الحرب احتياجا في العالم.

وأضافت في أغسطس آب "إذا أخفقت أوروبا في مسألة اللاجئين... فلن تكون تلك أوروبا التي نريدها."

لكن الوافدين لم يكونوا من اللاجئين فحسب. وبالاضافة إلى آلاف الأسر الهاربة من سوريا ومناطق حروب أخرى سمحت ألمانيا أيضا بدخول مئات الالاف من دول أخرى لا حق لهم في المطالبة باللجوء.

وتباينت تصرفات هذه الجماعات تباينا شديدا. فقد أثبت اللاجئون السوريون الذين عمدت ميركل إلى الترحيب بهم أنهم ملتزمون بالقانون في أغلب الأحوال. وأوضح تقرير نشرته الشرطة في الثامن من يناير كانون الثاني من ولاية نورد راين فستفاليا التي تقع فيها مدينة كولونيا إن 0.5 في المئة فقط من المهاجرين السوريين في المدينة ضبطوا بسبب جرائم ارتكبوها على مدى عام.

وعلى النقيض أوضح التقرير أن نسبة المضبوطين في جرائم ارتكبت خلال عام بين المهاجرين من شمال أفريقيا بلغت 40 في المئة.

ولم يثبت أي من القادمين من شمال أفريقيا إلى ألمانيا أنه جدير بالحصول على وضع اللاجئ. وفي العام الماضي منحت ألمانيا شكلا من أشكال الحماية لنسبة 0.19 في المئة فقط من المهاجرين التونسيين

و3.74 في المئة من المغاربة و1.6 في المئة من الجزائريين.

ويصل كثيرون من شمال افريقيا لا كعائلات بل شبان فرادى ولا يسمح لهم القانون بالعمل. وبلغ عدد الذكور الذين سمح لهم باللجوء في المانيا العام الماضي مثلي عدد الإناث.

وقال كريستيان فايفر خبير علم الإجرام ووزير العدل السابق في ولاية ساكسونيا السفلى الذي ينتمي للحزب الديمقراطي الاشتراكي "ما مررنا به في ليلة رأس السنة لم يكن مشكلة الشرطة فقط بل (نتيجة) لعدم دمج ما بين 300 ألف و500 ألف شاب وصلوا دون عائلات إلى ألمانيا ويجلسون لا يفعلون شيئا ينتمون لثقافة تقوم على هيمنة الرجل."

وقال إنجو فستن نائب رئيس الجمعية الألمانية المغربية التي تتخذ من دورتموند مقرا لها وتقع على مسافة ساعة بالسيارة من كولونيا إن الشبان يصلون من شمال أفريقيا تحدوهم آمال عريضة في العيش في "الجنة" لكنهم سرعان ما يتحررون من هذه الأوهام ويعيشون حياة ليس فيها سوى فراش وراتب ضئيل.

وأضاف "وهذا يؤدي إلى سقوط الناس من غير الأقوياء بصفة خاصة في براثن زعماء العصابات الذين يقولون لهم ‘لنسرق هذا المتجر أو لنسرق هذا الهاتف المحمول أو تلك الملابس وسيصبح لدينا بعض المال عندما نبيعها‘."

والجمعية يقلقها أن يصبح المهاجرون الذين استقروا منذ فترة أطول واندمجوا في المجتمع الألماني موضع ارتياب عام على نحو متزايد. ودعت الجمعية الحكومة لإعلان أن دول شمال أفريقيا مثل المغرب دول آمنة وطالبوها بأن تنشط في ترحيل من يرتكبون جرائم.

* قلة الكاميرات الأمنية

تقول اتحادات الشرطة إن قواتها ليست بالأعداد الكافية ولا تحظى بتمويل كاف لمواجهة التغيرات. وقال أرنولد بليكيرت نائب رئيس اتحاد الشرطة إن ما حدث في كولونيا كان نتيجة تخفيضات في الميزانية "دمرت الشرطة في السنوات العشر الأخيرة."

وتوضح أحدث أرقام للاتحاد أن عدد رجال الشرطة على المستوى الاتحادي ومستوى الولايات والشرطة الجنائية انخفض بنحو 13 ألفا منذ عام 2000 ليصل إلى 260713 فردا رغم أن بعض الولايات الاتحادية بدأت توظف أعدادا إضافية من جديد.

وأوضح مسح أجرته صحيفة راينيش بوست الاقليمية أن ولاية نورد راين فستفاليا بها واحد من أقل معدلات ضباط الشرطة مقارنة بالسكان بين كل الولايات الألمانية وأن هناك 228 شرطيا لكل 100 ألف مقيم بالمقارنة مع المتوسط العام على مستوى ألمانيا البالغ 304 شرطيين. وللمقارنة يبلغ المتوسط في فرنسا 356 شرطيا.

وقال سباستيان فيدلر رئيس فرع الولاية من اتحاد الشرطة الجنائية الألمانية المكون من رجال شرطة يرتدون ملابس مدنية يتولون التحقيق في الجرائم إن الضباط يقلقهم منذ فترة ما يرتكبه القادمون من شمال أفريقيا من جرائم.

وأضاف "لكن للتصدي لمثل تلك الظاهرة الإجرامية نحتاج لموظفين مؤهلين بدرجة كافية للتحقيق في التكوينات العصابية ثم القضاء عليها... وهنا تكمن المشكلة التي نواجهها."

ونظرا لماضي الحكم الشمولي في ألمانيا فقد رفضت نشر أدوات مراقبة شرطية مما يستخدم في الدول الأوروبية الاخرى. فعلى سبيل المثال لا تكاد العين تلمح الكاميرات الأمنية الظاهرة في دول مثل بريطانيا وفرنسا ولم يكن أي من هذه الكاميرات في الساحة الواقعة خارج محطة السكة الحديد في كولونيا.

وقال ايريك ريتينجهاوس رئيس فرع اتحاد الشرطة في الولاية إن لشرطة ولاية نورد راين فستفاليا كاميرتين فقط في الولاية بأسرها التي يعيش فيها 18 مليون نسمة ولا توجد أي منهما في كولونيا.

وقال إن عدد الكاميرات في أحد متاجر البقالة أكبر منه لدى الشرطة.

وثلث سكان مدينة كولونيا من المهاجرين.

وتقول الشرطة في الولاية إنها تدرس الجريمة بين الوافدين من شمال أفريقيا. وفي دوسلدورف عاصمة الولاية تجري الشرطة دراسة تعرف باسم "كازابلانكا" (أي الدار البيضاء) تتحرى جماعات تنفذ سرقات عن طريق الرقص حول الضحية أو معانقتها لتشتيت انتباهها قبل نشل ما في جيوبها وهو أسلوب أطلق عليه اسم "انتانزن".

ويركز مشروع للشرطة في كولونيا باسم "نافري" على تحري سبل تصرف جماعات من المجرمين من شمال أفريقيا منذ يناير كانون الثاني 2013. وقام ثلاثة محللين بتحليل البيانات في أكثر من 21 ألف جريمة جنائية و17 ألف شخص من أصول من شمال أفريقيا.

لكن رالف جيجر وزير الداخلية في الولاية قال إن المشتبه بهم في حوادث ليلة رأس السنة لم يكونوا من مستخدمي أسلوب انتانزن.

وقالت وزارة الداخلية في تقرير بتاريخ 19 يناير كانون الثاني إن من بين 29 مشتبها في تلك الحوادث اتضح أن واحدا فقط شملته تحريات مشروع نافري.

* أسئلة صعبة

وفي أعقاب اعتداءات كولونيا وجد الألمان أنفسهم في مواجهة أسئلة يقول بعض الساسة إنها تعرضت لتجاهل متعمد في العام الماضي مع تدفق المهاجرين.

وقد أصبح رفض التصدي للمشكلة جزءا من النقاش العام. واعتذرت شبكة زد.دي.إف. العامة للبث الإذاعي والتلفزيوني لأنها لم تبث أخبارا عن اعتداءات ليلة رأس السنة في البداية. كما تعرضت شرطة كولونيا لانتقادات واسعة النطاق لإعلانها في أول أيام السنة أن احتفالات ليلة رأس السنة مرت بسلام.

وقال جريجور جولاند عضو البرلمان عن ولاية نورد راين فستفاليا والذي ينتمي لحزب ميركل إن حكومة الولاية التي يقودها حزب الخضر والحزب الديمقراطي الاشتراكي سخرت من محاولات حزبه لوضع مشكلة ما يرتكبه الوافدون من شمال أفريقيا من جرائم على جدول الأعمال في عامي 2014 و2015.

وأضاف "تصرفوا وكأن لا وجود لها".

ونفى هانز فيلي كورفجيز عضو مجلس النواب المحلي في الولاية عن الحزب الديمقراطي الاشتراكي أن حزبه تجاهل ظاهرة "انتانزن" بين القادمين من شمال افريقيا وقال إن أعضاء الحزب أبدوا قلقهم وكانت المسألة قيد البحث بالفعل عندما أثارها حزب ميركل.

ويتزايد توافق الآراء أن ألمانيا ستضطر من أجل إنجاح خطة ميركل فيما يتعلق باللاجئين للعمل على التمييز بين من يحتاجون فعلا للحماية والمهاجرين القادمين من دول أخرى آمنة.

وأيدت حكومة ميركل الائتلافية قانونا جديدا هذا الاسبوع يسهل ترحيل المهاجرين الذين يرتكبون جرائم.

وقال وزير الداخلية الألماني السابق هانز بيتر فريدريش الذي ينتمي لحزب ميركل إن التعمية من جانب وسائل الإعلام وعدم اكتراث الساسة بالمشاكل المرتبطة بأزمة اللاجئين "أدى إلى توهم عالم شاعري لم يكن له وجود قط."

وأضاف "والآن بدأت ألمانيا تقترب من الواقع."

إعداد منير البويطي للنشرة العربية - تحرير دينا عادل

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below