10 آذار مارس 2016 / 13:57 / بعد عامين

تحليل-رهان ميركل على تركيا.. هل هو انفراجة أم لغم في أزمة المهاجرين؟

بروكسل (رويترز) - للمرة الثانية منذ بدأت أزمة الهجرة إلى أوروبا في العام الماضي أذهلت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل شركاءها في الاتحاد الأوروبي بالمراهنة برصيدها السياسي على مبادرة من جانب واحد ومطالبتهم بتأييدها.

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (إلى اليسار) تتحدث مع رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو خلال القمة الأوروبية التركية في بروكسل يوم 7 مارس آذار 2016. تصوير: إيف هيرمان - رويترز

فبعد أن مدت بساط الترحيب في سبتمبر أيلول الماضي أمام اللاجئين السوريين المتدفقين على أوروبا في خطوة أثارت انزعاج كثير من القادة الأوروبيين الذين لم يؤخذ رأيهم في الأمر تراهن ميركل من جديد الآن على صفقة تم التوصل إليها في وقت حرج مع تركيا لوقف سيل المهاجرين.

وتم ارتجال هذا الاتفاق ليلا قبل أسبوع من انتخابات إقليمية في ألمانيا يواجه فيها حزبها احتمال الهزيمة. ولم يتضح بعد ما إذا كانت هذه الصفقة ستتحول إلى انفراجة في أزمة المهاجرين أم لغم.

وكان رد الفعل في ألمانيا متباينا على رهان ميركل التركي. فقد رحبت صحيفة بيلد الواسعة الانتشار بالاتفاق بعنوان يقول ”الكرة في ملعب تركيا“ لكن بعض النواب المحافظين من حزب ميركل يعترضون على منح الأتراك حرية السفر دون تأشيرات في مقابل ذلك.

ويقول مسؤولون ألمان إن رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو هو الذي فاجأ الجميع بوصوله إلى اجتماع بين ميركل ورئيس الوزراء الهولندي مارك روته في بروكسل ليل الأحد الماضي ومعه خطة جريئة عرض بها استقبال كل المهاجرين الذين يعبرون البحر إلى أوروبا مرة أخرى مقابل مكافآت سياسية واقتصادية لبلاده.

وقال مسؤول ألماني إن ميركل شعرت على الفور بأن هذه الصفقة يمكن أن ”تغير الأمر برمته“ وأضاف أن مكاسبها ستفوق التنازلات التي سيقدمها الاتحاد الأوروبي في المقابل بكثير.

وكان الثمن الذي طلبه داود أوغلو هو مضاعفة الأموال التي ستدفعها أوروبا لإبقاء اللاجئين السوريين في تركيا والتعجيل بإتاحة السفر للأتراك دون تأشيرات الدخول وبالمحادثات الرامية لضم تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وذهل الدبلوماسيون والمسؤولون في الاتحاد الأوروبي عندما طرح الاقتراح عليهم في اجتماع قمة يوم الاثنين واستاء البعض من إخفاء الأمر عنهم خلال التحضيرات.

ورد أحد المسؤولين قائلا ”اسأل السيدة ميركل“ عندما سئل عن مدى اتساق فكرة إعادة كل المهاجرين بمن فيهم اللاجئون السوريون إلى تركيا مع القانون الدولي.

* لا مفاتيح للحل

في الأسبوع الماضي أمضى رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك - الذي رأس قمة يوم الاثنين - يومين في أنقرة واسطنبول التقى خلالهما مع داود أوغلو والرئيس رجب طيب إردوغان لدراسة تفاصيل صفقة مختلفة ولم تقدم له أي مفاتيح عن الصفقة الجديدة.

ولم يدع أي من توسك أو رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر للاجتماع التحضيري ليل الأحد.

ولم تٌدع كذلك فرنسا أقرب الشركاء الأوروبيين لألمانيا والتي قللت إلى أدنى حد ممكن التزامها بقبول لاجئين بسبب المخاوف الأمنية منذ هجمات نوفمبر تشرين الثاني الماضي التي شهدتها باريس وبسبب صعود نجم مارين لوبان زعيمة حركة اليمين المتطرف المناهضة للهجرة.

ورغم أن ميركل حرصت على إشراك الرئيس الفرنسي فرانسوا أولوند في دبلوماسيتها مع روسيا فيما يخص أوكرانيا فقد لجأت هذه المرة إلى رئيس الوزراء الهولندي مارك روته باعتباره واحدا من القلة القليلة من الزعماء الأوروبيين الذين أبدوا استعدادا لقبول لاجئين سوريين مباشرة من تركيا. كذلك فإن لروته دورا في إدارة الرئاسة الهولندية لاجتماعات الاتحاد الأوروبي على مدى ستة أشهر.

وكان الجانب الهولندي هو صاحب الاقتراح الذي أثار جدلا كبيرا بقبول لاجئ سوري مباشرة من تركيا مقابل كل لاجئ يقبل الأتراك عودته من الجزر اليونانية. فقد ترك ذلك الباب مفتوحا دون تحديد عدد اللاجئين الذين سيقبلون في أوروبا وذلك بعد أن أخفقت ميركل في إقناع الآخرين بقبول لاجئين في اقتراحات ألمانية سابقة كانت تقضي باستقبال مئات الآلاف.

وقال دبلوماسيون إنه عندما سأل بعض القادة توسك لماذا لم يطلعهم على الخطة التركية بعد رحلته اعترف بأنه لم يكن يعلم شيئا عن العرض الخاص بإعادة كل اللاجئين والمهاجرين حتى صباح يوم الاثنين.

وفي واقع الأمر فوجئ توسك رئيس وزراء بولندا السابق بأنه طرف في لعبة شد وجذب بين ميركل والمستشار النمساوي فيرنر فايمان الذي أغضبها بعقد مؤتمر لدول وسط أوروبا والبلقان الشهر الماضي دون مشاركة ألمانيا والنمسا للتنسيق بهدف إغلاق حدود هذه الدول في وجه المهاجرين.

وقال مبعوث أوروبي ”كان هناك سباق بين الخطة الرئيسية التي طرحتها ميركل والخطة البديلة التي طرحها زعماء وسط أوروبا والتي كانت (ميركل) ترتاب أن توسك يدعمها.“

وأضاف ”تم تنحية توسك جانبا.“

وكان توسك يضغط بالفعل من أجل إغلاق طريق المهاجرين عبر البلقان وضمن تأييدا عريضا لذلك من السفراء الأوروبيين بعد ظهر يوم الأحد.

كانت خطة ميركل الرئيسية المسماة ”الحل الأوروبي“ تقضي بإقناع أنقرة بمنع المهاجرين من مغادرة شواطئها وإعادة من لا يتأهلون للحصول على حق اللجوء إلى بلدانهم الأصلية أو إلى تركيا وتقسيم اللاجئين الشرعيين فيما بين الدول الأوروبية.

أما الخطة البديلة التي تعكس ارتيابا في أن تركيا ستنفذ التزاماتها كما تعكس نفاد صبر لاستمرار وصول اللاجئين فكانت تنطوي على إغلاق الحدود عبر منطقة البلقان وإبقاء المهاجرين الجدد في اليونان.

وبالنسبة لتوسك كانت هذه الخطة وسيلة يظهر بها الاتحاد لتركيا أنها إذا لم توقف سيل المهاجرين فإن أوروبا ستتصرف من جانب واحد وتسحب عروضها.

أما الخطة الثالثة التي اقترحها داود أوغلو فأكثر طموحا من الأولى والثانية لكن ثمة شكوكا كبيرة في إمكانية تنفيذها وفيما إذا كانت ستفلح فيما ترمي إليه بل وفيما إذا كانت قانونية.

* انطباع بتحقيق تقدم

ورغم أن ميركل نفت وجود دوافع داخلية فقد كان للتوقيت فائدته. فقد أتاحت هذه المبادرة بادرة حاسمة على تحقيق تقدم وذلك قبل ستة أيام من الانتخابات في ثلاث ولايات ربما يتوقف عليها مستقبلها السياسي.

فإذا مني حزبها المسيحي الديمقراطي بهزائم ثقيلة فقد يضعفها ذلك وربما يثير علامات استفهام حول قدرتها على قيادة الحزب في الانتخابات العامة في العام المقبل رغم أن شعبيتها مازالت كبيرة ولا يوجد زعيم بديل في الأفق.

ولن تختبر مدى قانونية اقتراح داود أوغلو وإمكانية تنفيذه بل وجدواه إلا بعد انتخابات الولايات.

ومن الناحية الرسمية فإن المفوضية الأوروبية تتشبث بالرأي أن أي اتفاق رسمي مع تركيا يتم إبرامه في القمة التالية يومي 17 و18 مارس آذار يجب أن يكون ملتزما بالقانون الأوروبي والدولي.

وقال يونكر إن القانون الأوروبي يسمح بعودة المهاجرين القادمين بطرق غير مألوفة إلى دول ثالثة ”آمنة“ لكنه أضاف أنه سيتعين على اليونان وتركيا تعديل بعض اللوائح الداخلية.

ويقول العالمون ببواطن الأمور في الاتحاد إنه لكي يكون الترتيب المقترح قانونيا سيتعين على تركيا تغيير الطريقة التي تطبق بها اتفاقية جنيف للاجئين لتشمل أيضا الرعايا غير الأوروبيين وإن اليونان ستضطر لإنشاء محكمة خاصة للنظر في اعتراضات طالبي اللجوء على قرارات إعادتهم إلى تركيا.

وتقضي لوائح الاتحاد بأن من حق المهاجرين استئناف قرارات إعادتهم إلى دول ثالثة لأسباب تتعلق بالخطر على حياتهم أو أمنهم فيها لكن المحكمة لن تنظر في أي طلب لحمايتهم من أي مخاطر في دولهم الأصلية.

وربما يشكل احتضان ميركل للخطة التركية مشاكل سياسية لأولوند ولرئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الذي يكافح للفوز في استفتاء يجري في يونيو حزيران على البقاء في الاتحاد الأوروبي تمثل فيه الهجرة قضية كبيرة وكذلك لرئيس الوزراء السويدي ستيفان لوفن الذي تعد بلاده أعلى دول الاتحاد صوتا في انتقاد سجل تركيا في حقوق الإنسان.

ومع ذلك فإن أغلب القادة يمتنعون عن الاعتراض على ميركل صاحبة أطول فترة في الحكم بين زعماء دول التكتل والتي تقود أقوى الدول الأعضاء في الاتحاد وذلك في وقت تحتاج فيه هي للدعم السياسي.

إعداد منير البويطي للنشرة العربية - تحرير سها جادو

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below