27 آذار مارس 2016 / 19:42 / منذ عام واحد

تحليل-كيف خسرت بلجيكا سباقها مع الزمن في تفجيرات بروكسل؟

أشخاص يتجمعون إحياء لذكرى ضحايا هجمات يوم الثلاثاء في بروكسل يوم 25 مارس آذار 2016. تصوير: كريستيان هارتمان - رويترز.

بروكسل (رويترز) - عندما اعتقلت شرطة بروكسل صلاح عبد السلام المشتبه به الرئيسي في هجمات باريس التي وقعت في نوفمبر تشرين الثاني الماضي كانت تعلم أنها في سباق مع الزمن للحيلولة دون وقوع هجوم جديد لتنظيم الدولة الإسلامية.

كان ذلك بعد ظهر يوم الجمعة 18 مارس آذار عندما قال وزير بحكومة شارل ميشيل رئيس الوزراء في تغريدة على تويتر ”قبضنا عليه!“ وذلك بعد اعتقال أبرز مطلوب في أوروبا خلال مداهمة منزل في حي مولينبيك بالعاصمة البلجيكية.

لكن رئيس الوزراء البلجيكي كان قلقا وفقا لما ذكره مسؤول حكومي كان حاضرا عندما توجه ميشيل مسرعا إلى مركز قيادة الأزمات تاركا قمة أوروبية كانت تعقد على مقربة.

وقال المساعد الكبير ”اعتقدنا في البداية أن...هذا سيؤدي إلى رد فعل قوي.“ وأضاف المساعد الذي تحدث لرويترز طالبا عدم الكشف عن هويته أن قوات الأمن أمرت بالتحلي بمزيد من اليقظة لكنها كانت تفتقر لمعلومات مخابراتية تبرر إغلاق المدينة مثلما فعل ميشيل بعد هجمات باريس.

لكن مخاوفهم كانت راسخة للغاية. فلقد كشفت التفجيرات الانتحارية في مطار بروكسل وفي أحد قطارات الأنفاق وراح ضحيتها 28 شخصا -إضافة إلى ثلاثة انتحاريين- عن عدم قدرة السلطات البلجيكية على التصدي لعناصر تنظيم الدولة الإسلامية أيا كان ارتفاع مستوى حالة التأهب.

وأدى عدم التواصل الجيد وعدم تتبع الأدلة وإغفال المشتبه بهم إلى كشف القصور في أجهزة الشرطة والمخابرات كما كشف أيضا عن الكيفية التي يمكن أن تتصرف بها الخلايا الإسلامية التي نمت في أوروبا وتدربت في سوريا بسرعة هائلة تجاه أحداث مثل اعتقال عبد السلام.

وقال فينسينت جيليه رئيس النقابة الرئيسية لشرطة بلجيكا ”كان سباقا مع الزمن.“ لكنه كان سباقا لم تستطع السلطات الفوز فيه في ظل إدراك عناصر الخلية أن السلطات تضيق الخناق عليهم وقلة عدد العاملين بجهاز المخابرات والذي تشير تقديرات عدة بأنهم يمثلون نحو نصف العدد النموذجي مقارنة بالدول الأوروبية الغنية الأخرى.

وقال جيليه ”ما حدث كان تقريبا أمرا محتوما“.

وتقول بعض وسائل الإعلام المحلية إن المحققين يشتبهون في أن عبد السلام خطط لإطلاق النار على حشود خلال عطلة عيد القيامة تزامنا مع التفجيرات الانتحارية على غرار ما حدث في باريس. لكن المهاجمين قدموا الموعد خشية أن يفضح عبد السلام مخططهم أو أن يتخلى عنهم.

* عام من التأهب

تعد بلجيكا بالنظر إلى حجمها الدولة الأوروبية التي خرج منها أكبر عدد من المتشددين للقتال في سوريا. واستقطبت الدولة الإسلامية جيلا يعاني من الاغتراب وينحدر لمهاجرين معظمهم مغاربة توجهوا إلى أوروبا في الستينات. وكان للكثير منهم صلات قوية بمتشددين فرنسيين.

وكثفت السلطات البلجيكية عمليات البحث عن ناشطين من تلك الخلايا منذ يناير كانون الثاني 2015. وفي ذلك الشهر وبعد أيام من الهجوم الذي استهدف صحيفة شارلي إبدو في باريس أحبطت الشرطة البلجيكية مؤامرة في بلدة فيرفييه كشفت عن حملة للدولة الإسلامية لإعادة عدد من الشبان البلجيك الذين حاربوا في سوريا وعددهم 300 أو يزيد إلى أوروبا لتنفيذ هجمات هناك.

وفي فيرفييه قتلت الشرطة رجلين كانا قد عادا من سوريا مع عبد الحميد أباعود الذي قتل في تبادل لإطلاق النار في باريس بعد أيام من الهجمات هناك بعد أن اتضح أنه ”العقل المدبر للشبكة“ حسب وصف وزير بلجيكي.

ورغم أن السلطات البلجيكية ارتابت في عدة اتصالات لأباعود خاصة من حي مولينبيك القديم الذي كان يقطن به فإن حملة التعقب لم تكن على الوجه المطلوب. وكان من ضمن من استجوبتهم وأطلقت سراحهم صلاح عبد السلام وشقيقه إبراهيم اللذين طردا من تركيا للاشتباه في محاولتهما السفر للقتال في سوريا.

وفي النصف الأول من عام 2015 أدانت المحاكم البلجيكية العشرات من رجال الدين المتشددين وأتباعهم لقيامهم بتجنيد أشخاص للسفر إلى سوريا. لكن الخلايا الجديدة التي تشكلت من بينهم لم تكن تظهر مؤشرات على التشدد.

وفي هذا الإطار أتيح المجال في الصيف الماضي لعبد السلام وشقيقة -وهما تجار مخدرات أدارا حانة في مولينبيك ولم تظهر عليهما أي دلائل على التشدد- لوضع ما وصفها صلاح للمحققين بأنها خطة لوجيستية للإعداد لهجمات باريس.

وسافر صلاح بسيارته عبر أوروبا أكثر من مرة ونقل على الأرجح كميات من الأسلحة والمتفجرات والأشخاص أيضا.

لذا فإنه بعد وقوع هجمات باريس التي سقط خلالها 130 قتيلا واكتشاف أدلة على أن المهاجمين جاءوا من بلجيكا انتابت الحكومة البلجيكية صدمة بالغة وأدركت أنها أمام مشكلة ملحة.

وبناء على إخبارية من مصدر تبين أنه محل ثقة في فيرفييه أغلق رئيس وزراء بلجيكا وسائل النقل والأماكن العامة لعدة أيام حيث كان واثقا بنسبة ”100 في المئة“ من وجود تهديد.

وكان في محور هذه المخاوف صلاح عبد السلام الذي فجر شقيقه نفسه في مقهى بباريس والذي عاد عبر الحدود البلجيكية قبل حملة التفتيش الفرنسية. وفي صباح اليوم التالي لهجمات فرنسا اختفى عبد السلام في بروكسل.

* موارد جديدة.. تأخرت كثيرا

وتعهد ميشيل فورا بتقديم أموال وإصلاحات قانونية سعيا لتعزيز النظام الأمني الذي يعاني نقصا في العمالة وأعباء ضخمة ترهق العاملين.

ويبلغ عدد العاملين في جهاز المخابرات 700 شخص يجدون صعوبات في أداء مهامهم في بلاد يبلغ تعداد سكانها 11 مليونا. والشيء ذاته ينطبق على جهاز الشرطة الذي تقل إمكاناته بنسبة 20 في المئة عن مستوى الكفاءة الكاملة.

كما وجدت أجهزة الشرطة والأمن صعوبات بسبب نقص الاتصالات والتنسيق في مختلف البلديات عبر خط التقسيم اللغوي الذي تتميز به بلجيكا بين اللغتين الفرنسية والهولندية وفي ظل نظام معقد يقلل الصلاحيات ويحد من الحكم الاتحادي.

ويتكون سكان بلجيكا من عنصرين رئيسيين هما الوالون ويعيشون في جنوب بلجيكا ويتكلمون الفرنسية والثاني هم الفلمنك ويتحدثون لغة شبيهة بالهولندية وتعرف بالفلمنكية.

وكان اثنان ممن نفذوا الهجمات الانتحارية وهما نجم العشراوي وخالد البكراوي على قوائم الترقب الخاصة بمحاربة الإرهاب. وكان الأول مشتبها بأنه صانع قنابل هجمات باريس والثاني استأجر منزلا آمنا لخلية باريس وكذا الشقة التي استخلصت منها الشرطة الخيط الذي أدى للقبض على عبد السلام قبل ذلك بثلاثة أيام.

وأدين إبراهيم شقيق البكراوي بالسطو المسلح في انتهاك لشروط الإفراج عنه. وكان قد طرد من تركيا في يوليو تموز الماضي. وحذرت أنقرة بلجيكا من أن إبراهيم ألقي القبض عليه وهو يحاول الوصول إلى سوريا.

وفي ديسمبر كانون الأول تلقت الشرطة في بلدة ميشلان الفلمنكية معلومات بشأن أسرة تستضيف عبد السلام. وتضمن البلاغ عنوانا تم فيه القبض عليه في نهاية المطاف. ولكن مسؤولين أكدوا أن تلك المعلومات لم يتم تمريرها إلى زملائهم في بروكسل.

وأدى الكشف عن هذه المعلومات إلى اتهامات تم نفيها بشدة بأن بلدية ميشلان الفلمنكية ربما فضلت إخفاء المعلومات لتجنب إثارة المسلمين المحليين الذين يشكلون قاعدة انتخابية رئيسية.

وفي سياق بحثها عن عبد السلام على مدى أربعة أشهر اعتقلت الشرطة عشرات الأشخاص. وفي الشهر الماضي اعتقلت عشرة منهم اثنان قاما بتوصيل المشتبه به من باريس مرورا بثلاث نقاط تفتيش تابعة للشرطة الفرنسية.

وجرت مداهمة عشرات المنازل ولكن دون جدوى. ولكن الشرطة ترفض تحليلات مفادها أن الصدفة وحدها هي التي قادتها إلى منزل في منطقة فوريست الإدارية التابعة لبروكسل في 15 مارس آذار. وأصيب أربعة ضباط في إطلاق نار مع المتحصنين بداخل المنزل وبعدها قتل أحد المسلحين. وكشفت هويته عن رجل سافر الصيف الماضي مع عبد السلام وقام بتحويل أموال إلى ابن عم أباعود في باريس.

وقام خالد البكراوي الذي نفذ تفجير مترو بروكسل باستئجار الشقة في فوريست باسم مزور. وكان في الشقة بصمات حديثة تخص صلاح عبد السلام وأظهرت أنه ما زال في المدينة. وأدى بلاغ آخر إلى إرشاد الشرطة إلى منزل من خلال هاتف محمول كان يستخدمه مما أتاح القبض عليه بعد ثلاثة أيام.

* ثلاثة أيام من الخوف

على مدى ثلاثة أيام ونصف من بعد الاعتقال تعاون عبد السلام في بداية الأمر وهو مصاب ولكنه رفض بعدها الإجابة عن الأسئلة. وفكرت الحكومة في إغلاق بروكسل مثلما فعلت بعد هجمات باريس في نوفمبر تشرين الثاني. ولكن الحكومة قررت ألا تفعل ذلك لأنه لا توجد دلائل واضحة على هجوم وشيك على حد قول مسؤول حكومي.

وحينما نفذ المهاجمون ضربتهم في ساعة الذروة الصباحية يوم الثلاثاء الماضي تحركت السلطات بسرعة على الرغم من أنها تواجه أسئلة بشأن تأخرها ساعة في إغلاق المترو. وهو ما كلف نحو عشرة أشخاص أرواحهم.

وبعد ثلاث ساعات اتصل سائق سيارة أجرة أقل المفجرين الانتحاريين إلى المطار بالشرطة وقادها إلى الشقة التي أخذ المهاجمين منها. وأدى ذلك إلى العثور على أدلة كثيرة منها مواد كيماوية وقنبلة أخرى.

وأفاد تقرير بأن منفذي التفجيرات تركوا القنبلة وراءهم بعد أن أرسلت شركة سيارات الأجرة بطريق الخطأ سيارة أصغر حجما من التي طلبوها. وأشار التقرير إلى شاهد عيان قال المحققون إنه تعرف على شخص ثالث شوهد في كاميرات المطار مع منفذي التفجير.

واستعرضت الشرطة اتصالات ومعارف الذين تم التعرف عليهم ومنهم من يشتبه بأنه مخطط الهجوم في باريس. وتعمل حكومة شارل ميشيل أيضا على شن حملة على الوثائق المزورة التي سمحت فيما يبدو لأمثال العشراوي وأباعود بالتسلل عائدين إلى مختلف أنحاء أوروبا من معقل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا.

وسعت الحكومة للحصول على صلاحيات قانونية جديدة فيما يتعلق بالإنترنت وبالتعاون مع شركات الاتصالات لتعقب المشتبه بهم.

ولكن مسؤولين يحذرون من أن سد الثغرات في البنية الأمنية للبلاد التي تستضيف مقري الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ربما يستغرق سنوات. وأكد مسؤول حكومي أن إجراء ذلك لن يكون ”بين عشية وضحاها“.

وكان رد فعل المسؤولين البلجيكيين هو الاستقالة إزاء هذه الهجمات الأعنف في بلادهم منذ الحرب العالمية الثانية. وأعلن ميشيل ببساطة ”ما كنا نخشاه قد حدث“.

إعداد حسن عمار وسيف الدين حمدان للنشرة العربية-تحرير أحمد حسن

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below