24 حزيران يونيو 2016 / 09:22 / بعد عام واحد

صدمة مدوية مع تأييد بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي واستقالة كاميرون

لندن (رويترز) - أيد البريطانيون انسحاب بلادهم من عضوية الاتحاد الأوروبي الأمر الذي دفع رئيس الوزراء ديفيد كاميرون للاستقالة ووجه أكبر ضربة منذ الحرب العالمية الثانية للمشروع الأوروبي لوحدة أوسع.

وتراجعت الأسواق المالية بعد أن أظهرت نتائج الاستفتاء الذي أجري يوم الخميس أن البريطانيين أيدوا الخروج بنسبة 52 في المئة مقابل 48 في المئة أيدوا البقاء في التكتل الذي انضمت إليه بريطانيا منذ أكثر من 40 عاما.

وتراجعت قيمة الجنيه الإسترليني لما يصل إلى عشرة في المئة أمام الدولار مسجلا مستويات لم يشهدها منذ 1985 وسط مخاوف من أن يضر القرار بالاستثمار في خامس أكبر اقتصاد في العالم وأن يهدد دور لندن كعاصمة مالية عالمية ويغلف المشهد السياسي بالضباب لشهور. وتراجعت قيمة اليورو بنسبة ثلاثة بالمئة.

وشهدت الأسهم العالمية انخفاضا فاق تريليوني دولار في قيمتها على الرغم من أن مؤشر فايننشيال تايمز البريطاني عوض الكثير من خسائره المبكرة. وشهدت الأسهم الأمريكية انخفاضات حادة مع هبوط مؤشر داو جونز الصناعي بما يزيد عن 500 نقطة.

وقد تتفكك المملكة المتحدة ذاتها بعد أن قالت زعيمة اسكتلندا - حيث أيد ثلثا الناخبين البقاء في الاتحاد الأوروبي - إن إجراء استفتاء جديد على الاستقلال عن باقي بريطانيا أمر مرجح جدا.

وقال كاميرون -الذي قاد حملة البقاء لكنه خسر مقامرته عندما دعا للاستفتاء قبل ثلاثة أعوام- وهو يغالب انفعاله إنه سيستقيل من منصبه بحلول أكتوبر تشرين الأول.

وأضاف في كلمة بثها التلفزيون من أمام مقره في 10 داونينج ستريت "الشعب البريطاني اتخذ القرار الواضح جدا بالتحرك في مسار مختلف ومن ثم أعتقد أن البلاد تحتاج قيادة جديدة تأخذها في هذا الاتجاه."

وتابع "لا أعتقد أنه سيكون من المناسب لي أن أكون القبطان الذي يقود بلادنا إلى وجهتها المقبلة." وبدا كاميرون يغالب الدمع قبل أن يمسك بيد زوجته ويستدير عائدا إلى مقره في 10 داونينج ستريت.

* ابتكار أوروبا جديدة

وقد يحرم الخروج بريطانيا من تجارة السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي وسيتطلب منها أن تبرم اتفاقات تجارية جديدة مع بلدان العالم. وتوقع استطلاع لرأي اقتصاديين أجرته رويترز أن احتمال دخول بريطانيا في كساد خلال عام زادت عن ذي قبل.

ومن جانبه سيتضرر الاتحاد الأوروبي اقتصاديا وسياسيا مع رحيل دولة لم تكن فقط أقوى مناصر لاقتصاد السوق الحر لكنها أيضا تتمتع بعضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي وبجيش قوي وأسلحة نووية. وسيخسر الاتحاد نحو سدس ناتجه الاقتصادي دفعة واحدة.

وقال رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس "إنها صدمة مدوية. تفكك الاتحاد بمنتهى البساطة هو ما على المحك... الآن حان وقت ابتكار أوروبا أخرى."

ووصفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل - التي دعت الزعيمين الفرنسي والإيطالي لبرلين لمناقشة التحركات في المستقبل - نتيجة الاستفتاء بأنها نقطة فاصلة للوحدة الأوروبية. وقال وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير "يبدو أن هذا يوم حزين على أوروبا وبريطانيا."

وشجعت النتيجة المتشككين في البقاء في الاتحاد الأوروبي بدول أخرى. وطالب زعماء شعبويون في فرنسا وهولندا بإجراء استفتاءات للانسحاب من التكتل.

ودعت مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية الفرنسي إلى إجراء استفتاء مشابه في فرنسا واستبدلت الصورة التي كانت تضعها على حسابها على تويتر بصورة العلم البريطاني وكتبت قائلة "النصر للحرية".

وقال زعيم اليمين المتطرف في هولندا خيرت فيلدرز الذي طالب أيضا بإجراء استفتاء "نريد أن نكون نحن من يتولى إدارة بلدنا ومالنا وحدودنا وسياسة الهجرة عندنا."

وتفتح نتيجة التصويت الباب أمام إجراءات انفصال عن الاتحاد الأوروبي تستغرق عامين على الأقل في خطوة لم يسبق لعضو آخر أن اتخذها. وقال كاميرون الذي تولى رئاسة الحكومة قبل ستة أعوام إن بدء عملية الخروج بشكل رسمي أمر يرجع لمن سيخلفه في المنصب.

ويتردد الآن على نطاق واسع أن بوريس جونسون منافسه في حزب المحافظين ورئيس بلدية لندن السابق سيسعى لتولي المنصب. وأصبح جونسون أبرز وجه بين الأصوات الداعية لخروج بريطانيا من الاتحاد.

وغادر جونسون منزله وسط تهليل من الحشود في العاصمة التي صوت غالبية سكانها للبقاء في الاتحاد الأوروبي. وتحدث للصحفيين قبل أن يغادر مقر الحملة ولم يتلق أي أسئلة بشأن طموحاته الشخصية.

وقال "يمكن أن نجد صوتنا في العالم مرة أخرى وهو صوت يتناسب مع خامس أكبر اقتصاد على وجه الأرض."

ودشن نواب من حزب العمال البريطاني المعارض أيضا تصويتا بنزع الثقة عن زعيم الحزب اليساري جيرمي كوربين الذي اتهمه معارضوه في الحزب بقيادة حملة فاترة للبقاء في الاتحاد الأوروبي.

* "يوم الاستقلال"

كان هناك شعور بالسعادة بين القوى المشككة في الاتحاد الأوروبي والتي أعلنت النصر على المؤسسة السياسية والشركات الكبرى والزعماء الأجانب بمن فيهم الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي حث بريطانيا على البقاء في الاتحاد.

رسم توضيحي من رويترز عن نتائج الاستفتاء.

ووصف نايجل فيراج زعيم حزب الاستقلال البريطاني المشكك في الاتحاد الأوروبي التكتل بأنه "محكوم عليه بالفشل" و"يحتضر" وقال "احلموا ببزوغ فجر مملكة متحدة مستقلة."

وتابع بقوله "سيكون هذا انتصار للشعب الحقيقي... انتصار للناس العاديين وانتصار للجديرين بالاحترام. فليكتب التاريخ أن 23 يونيو هو يوم استقلالنا."

وأصابت الصدمة تكتلا أوروبيا يعاني بالفعل من أزمة دين في منطقة اليورو وهجرة جماعية لم يسبق لها مثيل ومواجهة مع روسيا بسبب أوكرانيا. وتشهد الأحزاب المعادية للهجرة وللاتحاد الأوروبي صعودا في جميع أنحاء القارة الأمر الذي شكل ضغطا لم يسبق له مثيل على مؤسسة يسار ويمين الوسط التي تحكم أوروبا منذ عقود.

ووصف دونالد ترامب المرشح الجمهوري المحتمل لانتخابات الرئاسة الأمريكية والذي ارتبط صعوده بمشاعر استياء مشابهة تجاه المؤسسة السياسية التصويت بأنه "أمر عظيم". وقال في اسكتلندا حيث كان يفتتح ملعبا للجولف إن البريطانيين "استعادوا دفة إدارة بلادهم".

وانتقد ترامب أوباما لأنه أبلغ البريطانيين كيف يصوتون وقارن بين الاستفتاء وبين حملته الانتخابية.

وقال "أرى تشابها كبيرا. الناس يريدون استعادة بلادهم."

وقال أوباما إنه يحترم قرار المملكة المتحدة بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي وأكد على أن العلاقات الأمريكية البريطانية ستصمد.

رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يتحدث أمام مقره في داونينج ستريت بعد تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي يوم الجمعة تصوير: ستيفان ويرموث - رويترز

وأضاف خلال كلمة "على الرغم من أن علاقة المملكة المتحدة بالاتحاد الأوروبي ستتغير إلا أن هناك شيئا واحدا لن يتغير هو العلاقة الخاصة الموجودة بين أمتينا."

ولطالما كان موقف بريطانيا إزاء علاقاتها مع باقي أوروبا متناقضا. فهي تؤيد بقوة اقتصاد السوق الحر وهدم الحدود الاقتصادية الداخلية وتوسيع الاتحاد الأوروبي ليتضمن الجمهوريات الشيوعية السابقة في شرق أوروبا لكنها اختارت أن تبقى خارج منطقة اليورو للعملة الموحدة ومنطقة شينجن حيث يمكن السفر بين الدول الموقعة في الاتحاد الأوروبي دون الحاجة لجواز سفر.

وعلى مدى عقود ظل بحزب المحافظين الحاكم بقيادة كاميرون جناح قوي معاد للاتحاد الأوروبي. ومع هذا كان إسكات هذا الجناح أحد الأسباب التي دفعت كاميرون في 2013 للدعوة لإجراء هذا الاستفتاء.

وحتى اللحظة الأخيرة توقع وكلاء المراهنات والأسواق المالية أن يكون التصويت بالأغلبية لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي.

وحث زعماء على الساحة العالمية مثل أوباما والرئيس الصيني شي جين بينغ وميركل وحكومات حلف شمال الأطلسي ودول الكومنولث بريطانيا على البقاء في الاتحاد الأوروبي قائلين إنها ستنعم داخله بقوة ونفوذ أكبر.

* أحلك الأوقات

كانت الحملة التي استمرت أربعة أشهر من بين أكثر الحملات إثارة للانقسام في بريطانيا في ظل تبادل الجانبين الاتهامات بالكذب والترهيب واندلاع خلافات بسبب الهجرة يقول البعض إنها كشفت في بعض الأحيان عن عنصرية علنية.

وبلغ الأمر أسوأ ذروة له بطعن نائبة في مجلس العموم مؤيدة للبقاء في الاتحاد الأوروبي وإطلاق النار عليها إلى أن لقيت حتفها في الشارع. وقال المتهم أمام المحكمة في وقت لاحق إن اسمه "الموت للخونة. الحرية لبريطانيا".

كما كشفت الحملة انقسامات عميقة في المجتمع البريطاني واستمد مؤيدو الخروج من الاتحاد الأوروبي دعما من ملايين الناخبين ممن شعروا بأن العولمة أثرت سلبا عليهم ولا يرون أي منافع من التعددية العرقية واقتصاد السوق الحر في بريطانيا. وأيد الناخبون الأكبر سنا الخروج من الاتحاد الأوروبي بينما كان مؤيدو البقاء فيه من الشبان في الأساس.

وأيدت لندن واسكتلندا البقاء في التكتل لكن مناطق واسعة من انجلترا التي لم تقتسم الرخاء مع العاصمة اختارت الخروج.

وتواجه المملكة المتحدة نفسها خطرا وجوديا. وقالت رئيسة الوزراء الاسكتلندية نيكولا ستارجون إنه من "غير المقبول ديمقراطيا" أن تخرج اسكتلندا من الاتحاد الأوروبي ضد رغبتها.

وقالت ستارجون "غني عن القول أن خيار تنظيم استفتاء ثان بشأن الاستقلال يجب أن يكون مطروحا على المائدة وهو مطروح فعلا... أعتقد أن استفتاء على الاستقلال الآن هو أمر مرجح جدا."

ورفض الناخبون في اسكتلندا الاستقلال عن باقي المملكة المتحدة بنسبة 55 بالمئة في استفتاء عام 2014 لكن منذ ذلك الحين فاز حزب ستارجون المؤيد للاستقلال (الحزب القومي الاسكتلندي) في عدة انتخابات.

ويأتي القرار الذي سيؤدي لاضطراب مالي في وقت انعدمت فيه معدلات الفائدة في مختلف أنحاء العالم أو اقتربت من الصفر. وقد تمنع الصدمة مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) من رفع معدلات الفائدة هذا العام وقد تؤدي إلى حزمة جديدة من السياسات الطارئة لمواجهة الأزمات الاقتصادية من البنوك المركزية.

كما يترك قرار الانسحاب علاقة بريطانيا التي تتفاوض عليها مع الاتحاد الأوروبي محاطة بالغموض. وقال مسؤولو الاتحاد الأوروبي إن البنوك والمؤسسات المالية التي تتخذ من المملكة المتحدة مقرا لها قد تفقد حقها التلقائي في تقديم خدماتها في أوروبا.

ويواجه أيضا ملايين الأشخاص أسئلة عويصة عن مستقبلهم مثل ملايين البريطانيين الذين يعيشون في دول الاتحاد الأوروبي وملايين المواطنين من الاتحاد الأوروبي الذين يعيشون ويعملون في بريطانيا.

إعداد سلمى محمد للنشرة العربية - تحرير محمد اليماني

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below