19 تموز يوليو 2016 / 20:32 / بعد عام واحد

تحليل-إردوغان يهزم خصومه في الوقت الحالي.. لكن التكلفة عالية

اسطنبول (رويترز) - انتصر الرئيس التركي طيب إردوغان على أعدائه واستعاد قبضته سريعا على السلطة بعدما كان مصيره على المحك عندما حاول جنود متمردون الإطاحة به. غير أن الانقلاب العسكري الفاشل يزيد من حالة الاستقطاب في بلد مضطرب بالفعل.

الرئيس التركي طيب إردوغان يشارك في حمل جثمان أحد ضحايا محاولة الانقلاب في اسطنبول يوم 17 يوليو تموز 2016. تصوير: مراد سيزار - رويترز

ولم تنته بعد الاضطرابات التي أعقبت محاولة الانقلاب ليل الجمعة الماضي. فقد أصابت تلك المحاولة البلد بالصدمة وألحقت ضررا يتعذر علاجه بالجيش الذي ينظر إليه بوصفه حجر الزاوية للاستقرار في بلد يقاتل تنظيم الدولة الإسلامية وتمردا كرديا.

وكتب هيو بوب ونيجار جوكسيل من مجموعة الأزمات الدولية يقولان ”في النهاية.. انتصر إردوغان وأنصاره (لكن) لا أحد في تركيا انتصر على المدى البعيد.“ وتوقعا أن يكون ”الضرر الذي يصيب الجيش- وهو الأكبر على الإطلاق في ضوء الاضطرابات في الجوار التركي- جسيما.“

وفجرت محاولة الانقلاب التي قامت بها مجموعة في الجيش مشاعر قومية وإسلامية دعما لإردوغان وهو ما شجع الحكومة على إطلاق حملة صارمة. وجرى تطهير الجيش والمحاكم والجامعات والأجهزة المدنية من آلاف المعارضين.

ويتهم إردوغان وحزب العدالة والتنمية- ذو الجذور الضاربة في الإسلام السياسي- رجل الدين التركي فتح الله كولن حليف إردوغان السابق الذي تحول إلى خصم شديد له بتدبير المؤامرة وطالبا الولايات المتحدة بتسليمه. وقال متحدث باسم الرئيس التركي إنه يجري إعداد طلب رسمي بهذا الشأن.

وجرى اعتقال أو وقف نحو 35 ألف شخص عن العمل في الجيش والشرطة والقضاء والمؤسسات الحكومية للاشتباه في صلتهم بكولن بعد الانقلاب الفاشل الذي قتل فيه أكثر من 230 شخصا.

واتسعت عمليات التطهير يوم الثلاثاء لتشمل قطاع التعليم حيث ذكر تلفزيون (تي.آر.تي) الرسمي أن أوامر صدرت إلى جميع عمداء الجامعات بالاستقالة كما تم إلغاء تراخيص 21 ألف معلم بالمدارس الخاصة. ولطالما وفرت المدارس الخاصة في تركيا وخارجها المزيد من الأعضاء والتمويل لحركة كولن.

وأصيب قرابة 1400 شخص عندما استخدم الجنود الدبابات والطائرات الهليكوبتر والطائرات الحربية في محاولتهم لانتزاع السلطة حيث قصفوا البرلمان ومقر المخابرات وحاولوا السيطرة على المطار الرئيسي وجسور في اسطنبول.

وقال هاكان ألتيناي من معهد بروكنجز في واشنطن ”هذه صدمة ومثل أي صدمة أخرى ستضفي صبغتها على كل ما يأتي بعدها... إنها بالتأكيد تساعد إردوغان .. الذي كان يتحدث منذ فترة طويلة عن مؤامرات كولن الشريرة.. والآن ثمة مؤامرة ربما أكثر شرا مما كان في اعتقاده.“

ويبدو بالفعل أن عمليات التطهير تتجاوز أتباع كولن المزعومين.

وقال ألتيناي ”إنني واثق من أنهم سيستغلون هذا الحادث لتصفية آخرين غير مرغوب فيهم أيضا. ما حدث خطير للغاية لدرجة أنهم ليسوا بحاجة لمزيد من الوقود .. الفعل نفسه محفز بما فيه الكفاية.“

وتثير سرعة وحجم الحملة الصارمة فضلا عن دعوات لإعادة العمل بعقوبة الإعدام بحق المتآمرين القلق بين الحلفاء الغربيين الذين يطالبون أنقرة بالحفاظ على سيادة القانون في بلد عضو في حلف شمال الأطلسي ومرشح لعضوية الاتحاد الأوروبي وهو أقوى حليف مسلم لواشنطن.

ويقول محللون إن من المستبعد أن تصغي السلطات لمثل تلك النداءات. وسبب الانقلاب الفاشل هزة في قلب القيادة وكاد يقضي على إردوغان وشخصيات بارزة أخرى.

”هذا يغير كل شيء“

يقول بعض المحللين الأتراك إن إردوغان- الذي قال إنه نجا بأعجوبة من الاغتيال على يد المتمردين- يستغل التمرد كذريعة لتوسيع وتعزيز سلطاته.

ويضيفون أن الانقلاب الفاشل أمد الرئيس التركي بالذخيرة اللازمة للتخلص من العقبات المتبقية في طريق مساعيه لتغيير الديمقراطية البرلمانية في البلاد ليحل محلها نظام رئاسي وهي خطوة تتطلب تغيير الدستور ويعتبرها معارضوه طريقا إلى مزيد من الاستبداد.

وقال معارض للحكومة طلب عدم الكشف عن اسمه خشية اعتقاله ”بوسعه أن يصبح الرئيس الذي كان يحلم به.. لكن الدولة خارج السيطرة في الوقت الحالي.“

وأضاف ”لا توجد قوانين فعالة لتهدئة الأوضاع. هذه شبكة مغلقة يتراكم فيها الضغط طوال الوقت... لقد دخلنا في هاوية.“

وينفي مساعدون لإردوغان تلك المزاعم. وقال المتحدث باسمه إبراهيم كالين إن بضعة آلاف من الجنود نفذوا محاولة الانقلاب وإنه ”من الطبيعي فحسب“ أن تطبق تركيا مبدأ سيادة القانون لاعتقال المشتبه بهم بتهم الخيانة.

وقال للصحفيين في اسطنبول ”لا يوجد شيء استثنائي أو مفاجئ بخصوص حقيقة اعتقال عدة آلاف من الأشخاص.“

ووصف إردوغان الانقلاب بأنه ”هدية من الله“ تمكنه من ”تطهير الجيش“. وشملت عمليات التطهير الواسعة المحكمة الدستورية التي يعتبرها منتقدو إردوغان المؤسسة الوحيدة التي لا تزال تملك القدرة على التصدي لتآكل سيادة القانون.

وقال مصطفى أكيول وهو كاتب عمود ومؤلف كتاب (الإسلام دون تطرف: قضية إسلامية من أجل الحرية) إن ”هذا الانقلاب يغير كل شيء. البلد يمر بأجواء متوترة للغاية. شراسة الحملة مصدر قلق شديد.“

وأضاف قوله ”يوجد اضطراب شديد في الجيش وأجهزة الأمن وسيتم التخلص من كثير من الضباط. كيف سيبدلونهم وكيف سيدربونهم أمر يمثل مشكلة كبيرة... إنها أزمة كبيرة جدا.“

”انهيار مؤسسات“

وفي شوارع تركيا احتشد الإسلاميون من أنصار حزب العدالة والتنمية إظهارا للدعم مما أذكى المخاوف من الانتقام ممن ينظر إليهم كأنصار لكولن أو معارضين آخرين. وتوارت بعض الشخصيات المنتقدة لإردوغان عن الأنظار.

وقال ألتيناي ”كيفية صرف هذا الحشد أمر مثير للقلق. لا أعتقد أن هذا من الأولويات على قائمة اهتمامات حكومة حزب العدالة والتنمية لأنهم كانوا بالفعل يخشون على أرواحهم.“

وقال دبلوماسي غربي كبير مقيم في أنقرة إن الأجواء العامة وحشد ”جموع الإسلاميين“ يثير القلق وكذلك ما يبدو أنها عملية غربلة واسعة للموظفين الحكوميين.

وقال أكيول ”حصل إردوغان على قدر كبير جدا من السلطة والهيبة الآن وتوجيه انتقاد له في هذه المرحلة غير ممكن.. سيتم اتهامك بأنك مع الانقلاب. الاضطرابات ستظل قائمة لبعض الوقت.“

وكشف الانقلاب الفاشل هشاشة الأجهزة العسكرية والمخابراتية التي فشلت في الرصد المبكر لمؤامرة كبيرة شارك فيها قادة كبار من الجيش والقوات الجوية.

وقال ألتيناي ”الموقف سيريالي جدا. هناك انهيار لمؤسسات على كثير من المستويات. لقد جرى احتجاز أكبر قائدين عسكريين رهائن على يد أقرب مساعديهما.“

وأضاف ”أعتقد أن ثقتهم قد اهتزت لأنهم إذا لم يكن بوسعهم حتى اختيار الأشخاص الذين سيمضون معهم 24 ساعة .. فكيف سيثقون في أي شخص آخر. إنها ضربة لهم.“

وتترك الأحداث الأخيرة تركيا أكثر انكشافا وتعرضا للمخاطر في وقت تعاني فيه الدولة بالفعل من آثار هجمات المسلحين الأكراد وتنظيم الدولة الإسلامية.

وبرغم احتشاد أحزاب المعارضة الرئيسية خلف إردوغان مع بدء التمرد تسري مخاوف بين العلمانيين من أن البلد- المنقسم بالفعل بسبب النزعة الإسلامية المتنامية لحزب العدالة والتنمية- سينجرف أكثر صوب مزيد من السياسات الدينية الشعبوية وهيكل سلطة مطلقة أكثر تشددا.

ويشير مراقبون في ذلك إلى دعوات لم يسبق لها مثيل من أئمة بمساجد في أنحاء البلاد تلبية لنداء إردوغان حثوا خلالها الناس على النزول إلى الشوارع للدفاع عن بلدهم.

وقال مارك بيريني سفير الاتحاد الأوروبي السابق لدى أنقرة والباحث الزائر لدى كارنيجي أوروبا ”ديمقراطية تركيا وانتمائها الغربي ربما ينتهي المطاف بهما كأول ضحايا الانقلاب.“

إعداد مصطفى صالح للنشرة العربية - تحرير حسن عمار

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below