29 تموز يوليو 2016 / 20:32 / بعد عام واحد

مقال-هل يتعمد بوتين زعزعة الحياة السياسية الأمريكية؟

(رويترز) - (يكتب بيتر آبس مقالات لرويترز في الشؤون العالمية ومن بين القضايا التي تتناولها مقالاته الشؤون الدولية والصراعات وغيرها من القضايا. وهو مؤسس مركز الأبحاث مشروع دراسة القرن الحادي والعشرين ومديره التنفيذي. والآراء الواردة في هذا المقال هي آراؤه الشخصية.)

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سان بطرسبرج بروسيا يوم 17 يونيو حزيران 2016. تصوير: جريجوري دوكور - رويترز

عندما ألقى موقع ويكيليكس بعشرات الآلاف من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية الخاصة بالحزب الديمقراطي الأمريكي على صفحاته وهي رسائل محرجة غالبا لم يمض الكثير من الوقت حتى أشير بإصبع الاتهام إلى موسكو.

وعلى وجوه كثيرة يجب ألا يعتبر هذا مفاجئا بحال. فلوقت طويل كانت الديناميكية السياسية الواضحة المشتركة بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين موضوعا سحريا للمنتقدين. فبعض مقاربات وتصريحات المرشح الجمهوري للرئاسة -خاصة إثارة الشكوك في الالتزام الأمريكي تجاه حلف شمال ألأطلسي- جاذبة لموسكو بشكل شبه يقيني.

إن لأجهزة المخابرات الروسية شهرة مستحقة بشكل كبير لتفوقها في التجسس الإلكتروني ناهيك عن الحيل السياسية القذرة. وربما يكون أهم من أي شيء أن هناك عددا متزايدا من المسؤولين الغربيين والخبراء الأمنيين مقتنعون بشكل متزايد بأن روسيا تفعل كل ما بوسعها لزعزعة الاستقرار السياسي للغرب.

ومع ذلك فإن التحايل على الخدع لاكتشاف مدى حدوث ذلك بالفعل أمر مختلف تماما. وهذا صحيح دائما عندما يتعلق الأمر ببوتين بالطبع لكنه حتى أكثر من ذلك عندما يكون المعني به ترامب أيضا.

بالنسبة للبعض النمط واضح بدرجة كبيرة للغاية. إنهم يرون يد روسيا -بالتحديد يد بوتين العبقرية المكيافيلية- في كل شيء من الحرب الأهلية السورية إلى استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. إنهم يعتقدون أن موسكو تتعمد مفاقمة الصراع في الشرق الأوسط -لاسيما في سوريا- لجعل اللاجئين يتدفقون على أوروبا بهدف محدد هو تحطيم الوحدة الأوروبية. ويرون أن التمويل الروسي يقف وراء توالد الجماعات المناهضة للمؤسسة الأمر الذي يقوض التوافق السياسي التقليدي. ويناسب التدخل في سباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية لفرض انتخاب ترامب هذه الاستراتيجية تماما ويمزق التماسك الغربي ويمنح موسكو حرية حركة لم يشهدها التاريخ الحديث.

إنها حجة بمنطق مقنع. مما لا شك فيه أن روسيا - لاسيما بوتين- كانت تتبنى استراتيجية استقطابية لإحياء نفوذها في الشؤون الدولية خاصة في دول الجوار الملاصقة لها. وفي إطار ذلك لا شك على الإطلاق في أن موسكو شنت حملة شرسة من ”حرب المعلومات“ باستخدام حقائق ملائمة ومعلومات مضللة على حد سواء لتحقيق عدد من التأثيرات السياسية.

في ألمانيا العام الماضي اعتبرت وسائل إعلام لها صلات بروسيا مسؤولة على نطاق واسع عن نشر مجموعة من القصص عن اغتصاب مزعوم لفتاة روسية العرق من مهاجرين منتمين لأقلية عرقية. وكانت القصة غير صحيحة لكنها بدت محاولة لتأجيج الخلافات السياسية الداخلية وتعقيد الأمور بالنسبة للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

لكن نطاق تلك الاستراتيجية هو أمر لا يعرفه المسؤولون الغربيون والخبراء وآخرون. وهذا الأمر يخيفهم - وحتى على مستوى المسؤولين البارزين في الحكومات هناك خلافات حقيقية في الرأي.

قال لي مسؤول أمني أوروبي سابق ”روسيا أفضل في هذا النوع من العمليات من أي طرف آخر لكن من الخطأ أن نعتقد أنها مسؤولة عن كل شيء.“

الحقيقة الواضحة هي أن هناك تشابكا في بعض المصالح والتصريحات والأساليب بين بوتين وعدد من السياسيين ذوي الآراء الأكثر تفردا في الغرب.

ومن أوجه عدة فالجيل الجديد من السياسيين ذوي الآراء غير المعتادة والمنتمين عادة لليمين ويمين الوسط مثل ترامب يخوضون غمار السياسة مستعينين بالكتيب الإرشادي للكرملين في عهد بوتين. ومثل التوجه الدعائي الذي تتبناه وسائل إعلام روسية تدعمها الحكومة مثل قناة ”روسيا اليوم“ الإخبارية ووكالة ”سبوتنيك“ للأنباء يروج أولئك لرؤية قاتمة وعدمية للعالم المليء بنظريات المؤامرة والأزمات المتنامية على الدوام وبتصوير رجال أقوياء مثل بوتين على أنهم الخيار الوحيد الحقيقي الذي قد يأتي بالاستقرار. وفي هذا السياق لا تبدو الحقائق والوقائع مهمة على الدوام أو على الأقل يمكنها أن تدعم في أي وقت الحجة المطلوبة أيا كانت.

في بعض الحالات تكون الصلات أعمق بالتأكيد. كلف الكونجرس الأمريكي وكالات المخابرات الأمريكية بالتحقيق في تقارير عن دعم روسي مباشر بما يشمل التمويل لأحزاب سياسية في عدد من الدول الأوروبية. ومع عدم قدرته على الاقتراض من بنوك فرنسية سعى حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف في فرنسا علنا للحصول على تمويل في موسكو على الرغم من أن الحزب ينفي أن التمويل يؤثر بشكل مباشر على سياسته.

لكن في حالات أخرى الأمر أكثر غموضا. فبرغم كل الافتراضات من محللين أمريكيين تحديدا بأن روسيا لا بد وأنها لعبت دورا في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا توجد أدلة تذكر على ذلك. ونفى حزب الاستقلال البريطاني تلقي أي دعم من روسيا رغم أن الحزب بذل كل ما في وسعه للتمويه على مصدر أغلب تمويله. وذهب الحزب القومي الاسكتلندي لأبعد من ذلك لتجنب مثل هذا الافتراض. وتقاطع قيادات الحزب وسائل الإعلام الروسية مثل ”روسيا اليوم“ بينما يوافق ساسة غربيون آخرون ينتمون لليسار واليمين على إجراء مقابلات معها.

أين يقع ترامب من ذلك؟ لا يوجد شك يذكر في أن مشروعات ترامب العقارية اعتمدت في مناسبات ما على مستثمرين روس كانوا في بعض الحالات على علاقة وثيقة بالكرملين - لكن بالنظر إلى الطبيعة الغامضة والمنتشرة على نطاق واسع لشراكاته في مجال الأعمال فهذا ليس مفاجئا على الإطلاق. وعمل بول مانافورت مدير حملة ترامب الانتخابية مع حلفاء لبوتين من قبل والمثال الأبرز هو الزعيم الأوكراني المخلوع مرتين فيكتور يانوكوفيتش. لكن كل ذلك لا يثبت في حد ذاته وجود علاقة مباشرة.

عندما يتعلق الأمر بتسريب وثائق داخلية للحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة فهناك فيما يبدو أدلة على أن أكثر من كيان روسي اخترق أنظمة اللجنة الوطنية الديمقراطية. ذكرت شركة (كراودسترايك) لأمن أنظمة الكمبيوتر في يونيو حزيران أن باحثيها رصدوا آثارا لتسلل وقرصنة ممن قالوا إنهما متسللان منفصلان مرتبطان بالحكومة الروسية لا يعلم كل منهما فيما يبدو بنشاط الآخر.

لكن ذلك لا يثبت بالضرورة بأن موسكو هي مصدر الكشف الذي نشرته ويكيليكس وليس من الصعب تصور أن هناك أشخاصا مستاءين داخل اللجنة الحزبية يمكنهم أن يكونوا مصدر التسريب.

بيد أن قناعة مسؤولين أمريكيين بتورط روسيا في تزايد. وكثيرا ما تم ربط موسكو بمثل تلك التسريبات باعتقاد بعض المسؤولين أن كشف المتعاقد السابق بوكالة الأمن القومي الأمريكية إدوارد سنودن - والذي يقيم حاليا في روسيا - لأسرار هائلة في 2013 قد تكون بتنسيق كامل من البداية من المخابرات الروسية. لكن لا يعتقد الجميع مجددا أن هذه هي حقيقة الأمر.

هل يفضل بوتين أن يصل ترامب بدلا من كلينتون للبيت الأبيض؟ ربما - على الرغم من أنه حاول خلال الأشهر الأخيرة أن ينأى بنفسه عن التصريحات التي تقترب من التأييد المباشر الصريح. ربما الأهم من ذلك هو أن العلاقات لم تكن ضعيفة أبدا بين الكرملين وإدارة أوباما وبالأخص في الوقت الذي شغلت فيه هيلاري كلينتون منصب وزيرة الخارجية.

يعتقد مسؤولون روس أن نظراءهم الأمريكيين يتمادون أكثر من اللازم في دعم جماعات انفصالية داخلية في روسيا معارضة لبوتين وهو الأمر الذي يعتبرونه بالطبع تدخلا غير مقبول في السياسات الداخلية الروسية. ولن يكون الأمر مفاجئا إذا ما قرروا رد الجميل لهم بالمثل.

إذا ما كان الأمر كذلك فربما يحتاج الرئيس الروسي للحذر مما يتمناه. فزعزعة استقرار الغرب قد يخدم المصالح قصيرة الأجل لموسكو. لكن على المدى الطويل قد تعاني روسيا مثل الجميع تماما مما سعت إليه.

إعداد محمد عبد اللاه وسلمى محمد للنشرة العربية - تحرير محمد اليماني

0 : 0
  • narrow-browser-and-phone
  • medium-browser-and-portrait-tablet
  • landscape-tablet
  • medium-wide-browser
  • wide-browser-and-larger
  • medium-browser-and-landscape-tablet
  • medium-wide-browser-and-larger
  • above-phone
  • portrait-tablet-and-above
  • above-portrait-tablet
  • landscape-tablet-and-above
  • landscape-tablet-and-medium-wide-browser
  • portrait-tablet-and-below
  • landscape-tablet-and-below